عقدة القلب
موضي العتيبي
أختبئُ خلفَ صورتي الكبيرة المعلّقة على الجدار، كعصفورٍ يفززهُ المطر، لا أقرأ شيئًا، وأعوّلُ على الفراغ الذي بدأ يرسمُ دائرة على وجودي، دخانه يغشَي الأبصارَ عني.
كان الجميع يبحث عني، في الغرفة، في الدفاتر، خلف الأبواب، يصيحونَ بصوتٍ جهوري باسمي، وأنا لا أجيبهم، أسمعُ نداءَ أمي وهي تنتحب؛ أين وضعتم قلبَها أيها الأولاد؟ كانت تقصدُ أخوتي الثلاثة الذين دمّرتهم قصاصاتُ الغياب المطبوعة على جباههم، كانت أياديهم منداةً بالصلف والخشونة، يجرحون جلدي كلما لمسوا الصورةَ المعلّقة على الجدار، كانوا في السابق عبارة عن أوراق تؤزها الريحُ كلما هبّتْ نسائمُ الغضب على البلاد، عدم رضاهم بأسمائهم كان أحدُ أسباب ضياعهم وتشتتهم، الأول كان موهومًا بالخناجر، يتخيل كلَّ امرأة غدرًا ممكنًا، الثاني، هوايته شتمُ الأسماك في الأنهار القريبة، الثالث معضلتُهُ أنه لا يفعل شيئًا.
أسمائي الحصينة، كانت أمي تناديهم بهذا اللقب، بينما أبي كان ينعتهم بدروعي المهترئة قبل أن يتحول إلى شجرة قضتْ في حادثة باب.
كنت أكتم ضحكاتي المتواصلة، وأنا أجدهم يحثّونَ الخطى في البحث عني، فكّرتُ أن أبدّلَ مكان اختبائي من خلف الصورة إلى خلف بئر البيت، فعلتُ ذلك، وأنا أنظر إلى اجتماعهم الذي طالَ أمدُهُ لوضع مخطط للبحث عني، سمعتُ أمي وهي تقول قبل أن تقف؛ أين وضعتم الدلو أيها الأولاد؟
- في البئر يا أمي.
- كاذب.
- قال الآخر، في البئر.
- كاذب.
- قال الأخير، ربما في البئر.
قالت أمي ربما، لكنَّ البئرَ قد جفَّ ماؤه، لماذا يعوزني الدلو؟!
بقيتُ لمدة ثلاثة أيام، وأنا خلفَ البئر، بعد أن قررتْ أمي أن عملية البحث ستتوقف، وسيردم هذا البئر في خطوة كانت غير موفقة.
ماذا أفعلُ الآن، وقلبي على البئر تمامًا؟!
قصتان
آمنة السلمان
الوضحاء
في البداية، ظن أنه نمى من شجرة الأترج الكبيرة، وحين نضج قطفه جدّهُ في سلة الخوص الكبيرة التي يحملها على ظهره. لم يصدق حين أخبرته جدته عن والديه، عن أبيه الذي رحل في قاع البئر وتحول إلى حمامة، وعن أمه الهزيلة التي لم تحتمل فراق شريكها، فطارت معه. لم يفهم إلا حينما أخذه جده في صبيحة كالحة إلى المقبرة، ووقف به أمام كومتي تراب متقاربتين وقال: هنا والداك، سلم عليهما.
راح الصغير يخبأ عينيه عن التراب المتطاير، ويستمع لتمتمة جده الجاثي، يمسح برفق على التراب.
هناك تعلم درسه الأول للفقد.
حين عادا للمزرعة، أسرع مندساً تحت شجرة الأترج، ضاماً قدميه إلى صدره، مستنشقاً الرائحة الحمضية المألوفة.
بعدها بأسبوع كانت مواجهته الأولى مع الموت حين جثت "الوضحاء"، ناقة جده، ثم همدت على الأرض، وهو واقف بسنينه الست، يراقب الكبار يسحبون بجهد، الحوار الصغير، بعيداً عن جثة الأم المحتضرة، ولما انصرفوا تلحقهم ستارة من الغبار، جثا جوار الجسد الهامد، وراح يتفحص سكونه ودفء الحياة يغادره ببطء. لم يشعر بعودة جده، إلا حينما جلس جواره، وراح يمسح عنق الناقة برفق، وكأنها ستنهض الآن، وتميل على كتفه كما تفعل دائماً، لكنها لم تتحرك وهذا ما استغربه الصغير.
ـ ألن تنهض الوضحاء؟
ـ لا وأنا أبوك، الوضحاء ماتت، قرصتها الحية.
لم يفهم من الموت إلا أنه أبتداءً من الغد، لن يستمتع بطقوس مراقبة الحوار الصغير، يلعب تحت قدمي أمه، وأنه لن يتعلم كيف يحلب الوضحاء كما وعده جده.
ومن مكانهم، كان يصلهم حنين الحوار.
ـ من أين سيرضع الصغير؟
ـ ربك ما يخلي أحد.
ثم مسح على رأسه وقال بحزن ثقيل: أصبح الآن أخوك في اليتم.
حين علمت الجدة، أطلقت تنهيدة طويلة، تشبه الأنين، ولبست مظهر الحداد لبقية اليوم.
واستمر حنين الحوار طوال الليل، يتسلق بيوتات "الديرة" القليلة ويخدش سكون الليل، لم يحتمل الصبي سماعه، تسلل من المنزل الصغير داخل المزرعة وركض للحظيرة القريبة.
ـ اشششش.. اششش
تمتم وهو يقترب من الحوار المذعور ولمس عنقه.
ـ اششش.. لا تبكي أنا أخوك.
واصل المسح على العنق الطويل الفروي وتساءل إن كان بكى طوال الليل هو أيضاً حين حلق والداه!
ـ أنا أخوك.. أنا أخوك لا تبكي.
وفي صباح اليوم التالي، راقب بوجوم العامل الهندي وجده، يربطان الجثة الضخمة بحبال سميكة إلى مؤخرة السيارة.
ـ هل ستدفنونها؟
سأل جده وهو يمسك بثوبه، ويتأمل الذباب يحوم حول العينين الجامدتين للوضحاء.
ـ لا سنرميها عند جبل السباع.
لم يفهم لم ترمى الوضحاء عند جبل السباع لتأكلها الهوام، بينما يدفن والداه!
ألن تتحول الوضحاء إلى حمامة أيضاً؟
صلصلت أجزاء السيارة الهرمة وسحبت الجثة بعيداً.
"الانفصال"، كان هذا هو التعريف الأول الذي صنعه للموت. أسرع راكضاً للحظيرة، واحتضن عنق الحوار، يريد بفطرته البريئة أن يمنع الصغير من رؤية أمه تجر بعيداً خلف سحابة الغبار.
ـ أنا أخوك.
همس بها، رغبة أن يطمئن قلبه الوجل أكثر من أن يهدأ بها الحوار المنتحب.
في الليل، وقف في ظلمة باب الدرج يراقب جدته ترتب فرش نومهم على السطح.
لا يعرف لمَ فجأة تذكر ما قاله محسن ابن الجيران، الذي يكبره بأربع سنوات: في الليل تنزل أرواح الموتى، حين تشعر بنسمة باردة في ليالي الصيف فهذا يعني أن روحاً مرت جوارك.
جدته استعاذت حين أخبرها، وسمت بالله آلاف المرات: لا يوجد شيء مثل هذا، محسن يخيفك فقط.
حتى وإن قالت ذلك، لا يزال صوت محسن يبعث قشعريرة في جسده.
ولما انتهت الجدة من تجهيز فراشه ركض سريعاً واندس تحت الغطاء.
لا يريد الشعور بأي نسمة باردة، ليس اليوم.
***
بيعَ الحوار الصغير. الجدة أرادت أن تبقي الصبي عندها، حتى لا يراه يؤخذ بعيداً، لكن الجد أمسك بيده: سيذهب معي لن أتركه يختبئ في المنزل مثل امرأة.
قالها بلهجة قاطعة وسحب الصبي معه متجاهلاً تذمر الجدة.
كانت الشمس تميل للغروب، تقبل قمم الجبال وتبتسم للطيور التي تشق السماء الأرجوانية عائدة لأعشاشها.
كان الحوار قد حمل في مؤخرة سيارة "آل مشعل" حين وصلوا. وقف الجد مع "أبي مرشد" يتبادلان الأحاديث، بينما انسل هو ليلقي نظرات الوداع للحوار الثائر. عيناه الكبيرة تلمع، والضوء الزائل للشمس يضيء فروه الأبيض.
بدا بعيداً ومشعاً.
شعر بيد على كتفه فرفع رأسه ليجد الوجه المبتسم لجده: ناقة "آل مشعل" فقدت وليدها مؤخراً.
اتسعت ابتسامته، وانكمشت عيناه تحت تجاعيد جلده المتغضن: سيحصل الصغير على أم أخرى.
مسح على شعره: مثلك.
أخيراً ابتسم الصبي ونظر لصغير الحيوان برضى.
سيحصل على أم.
في طريق العودة، حكى لجده عن الليل وأرواح الموتى، فضحك الجد ولم ينكر.
ـ الموتى لا يموتون يا ولدي.
ولما بدت الحيرة على وجه الصبي، جثى أمامه. أمسك يده ووضعها على صدره: هم هنا دائماً، لا يغادرون تماماً، هم فقط ينتقلون لحياة أخرى خالدة، وأكثر حرية.
مرت نسمة باردة فقهقه الجد: ربما تكون هذه الوضحاء.
وضحكا.
صدع أذان المغرب لما دخلا المزرعه، فاحت رائحة الأترج وحلقت حمامتان.
الأطرم
الشمس تدخل من النافذة الواسعة لغرفة المعيشة، تضيء البقعة حيث ينام الطفل متكوراً على نفسه، ضاماً قدميه وعيناه شبه مفتوحة.
الشعاع الدافئ يضيء عينيه، فيسيل عسلها مشعاً، ويلامس بشرته الشاحبة فتشرق. من غفوته المتأرجحة بين الحلم واليقظة، يفتح عينيه. يستمع للصوت المحب لماكينة الخياطة، وصوت غناء أمه الخافت، فيشعر بالدفء يغلفه بغطاء شفاف، ويدفعه ليغوص في عالم الحلم مجدداً، حتى أفزعه طرق الباب، فتطاير النعاس كفراشات ضوئية واختفى، وتوقف صوت الماكينة. نهضت أمه واختفت في ظلمة الممر، ثم ظهرت بعد لحظات تتبعها سحابة ضجيجٍ يتطاير من أفواه النسوة الموشحات سواداً.
ـ هيه، قم عن الحريم.
على صوت أمه، يهب جالساً، يفرك بقايا النوم عن عينيه، ويراقب الجمع يتوزع في غرفة المعيشة، مصحوباً بالضحك ورائحة القهوة والكعك.
ـ تسمع؟
النبرة المهددة في صوت أمه تفزعه، ينهض راكضاً للخارج، سامعاً صوتاً مداعباً: أم ابراهيم الله يهديك أتركي الصغير لينام.
من بعيد، يأتي صوت أمه ضبابياً، تقول شيئاً عن الرجال والنساء والعيب.
لم يفهم ما المعيب في أن ينام منتقعاً في الشمس، وسط ضوضاء النساء وصوت الماكينة؟
وحتى إن لم يفهم، فهو يجب أن يقطع نومته الصباحية ويخرج، فإن لم يفعل، ستغضب أمه، وهي إن غضبت، ستضربه وهو لا يحب أن يضرب، الضرب مؤلم.
يقف الصغير حافياً خارج المنزل، منتظراً أن ينتهي الدرس الصباحي الذي تعطيه أمه "خيّاطة القرية"، للشابات الصغيرات واللاتي ترافقهن الكبيرات غالباً فضولاً ورغبة في التحدث.
يجلس ضاماً قدميه، مستمعاً لأصوات القرية الصباحية. صياح ديك "آل محسن" -يقول أبوه أن ديكهم يرى جناً لا ملائكة، ولا يفرق بين صبح ولا مساء-. الحمام يطير في حلقات، يطوف على البيوتات ويهدل. صوت الخراف والرعاة يخرجونها للمرعى، صياح الرجال وعبث الأطفال الذين لم يحن عليهم سن الدراسة مثله. في وسط هذا النشاط المحموم والضوضاء، يضل صامتاً.. عليه أن يجد مكاناً يهرب إليه قبل…
ـ الأطرم.. الأطرم.
الصوت الساخر الملحَّن، جعله ينهض واقفاً ويلتفت بعينين مذعورتين.
مشعل وناصر أكثر أطفال القرية شغباً واللذان يكبرانه بسنة واحدة فقط، اختاراه ضحية لعبثهما منذ شهر ودأبا على مضايقته صباح كل يوم، عجلة روتين ضخمه تطحنه ببطء.
ـ أ أ أ أ أ أ أ أسكت.
يقلده ناصر، فينفجر مشعل ضاحكاً، بينما يقبض هو على ثوبه من عنقه، محاولاً كبح نمو الغصة في حلقه، الذي لا يخرج إلا نصف كلمات.
ـ الأطرم.. الأطرم.
يدوران حوله، ويغنيان، وهو يريد الهرب، ولكن إلى أين؟ إن دخل المنزل، وبخته أمه!
تكورت الدموع في عينيه، فأغمضها سريعاً كي لا تسقط.
الرجال لا يبكون.
هكذا قال أبوه، بعد أن ضربه، حين أتاه باكياً شاكياً كسر أخيه للعبته الوحيدة.
لا يجب أن يبكي.
ـ الأطرم.. الأطرم.
ـ لماذا لا يرد؟ لماذا لا يتكلم؟
ـ حلقه مشقوق لذا لا يتكلم.
الغصة تكبر.
حين يبدأ بالتأتأة، تضربه أمه على رأسه. تقول أن هذا عقاب له، لأنه لم يسمع كلامها. شقت الجنيه حلقه في الليل، وسرقت صوته.
تملّص من بينهم وركض هارباً، فلحقه الصبيان، صارخين وضاحكين، وربما ضربه أحدهما بأحجار صغيرة، يملآن بها جيوب ثيابهم.
عادة، يظل يركض حتى يملان من مطاردته، أو يصرخ عليهما أحد، لكن هذه المرة استمرت المطاردة مدة أطول، وصلوا حدود القرية قبل أن يقفلا راجعين.
أخيراً تنفس الصعداء، وجلس على الأرض، يخرج الأشواك والحصوات الصغيرة بين أصابعه.
لا يجب أن يبكي.
لا يجب أن يبكي.
لا يجب أن يبكي.
سائل دافئ انسكب على وجنتيه، مسحه سريعاً كما لو كان يخفي جريمة، لكن الدموع أخذت تزداد بعناد، فانكسرت مقاومته. ذبل كتفاه، ورفع رأسه منتحباً ببكاء متقطع، فزعت منه العصافير في الأشجار القريبة وحلقت بعيداً.
أمسك ياقة ثوبه، وعصرها بحرقة، وراح بصوته الممزق، يرجو الجنية أن تعيد صوته. أقسم أن يكون مطيعاً، حتى وإن كان لا يحب ذلك، أقسم أن لا يبكي.
ـ ه ه ه ه هذي آ آ آ آخر مم م مره لن أأ أبكي م م م م مجددداً.. أ أ أ قسم.
يمسح دموعه التي تبدو أنها بلا نهاية، ويسعل. صدى صوته تردده الجبال، تميل الأشجار وكأنها ستربت على كتفه. يهب الهواء، يحمل صوت الصبي ويركض بعيداً، وتهدل الحمائم.
القطة مياو
هيفاء الحربي
أنا القطة "مياو"، ذاهبة هذا المساء إلى القمامة كي آكل بقايا الطعام. هذا المنزل الذي اكتشفته للتو، صاحبته امرأة فاضلة. تضع لي طعام القطط، ولكنني لاأحبه. أحب أن آكلَ مِن القمامة. أعلم؛ ستقولون أنني قذرة! لكنني أحب الأكل القمامي بقدر ماتكرهونه.
قبل أسبوع، دهستْ سيارةٌ أختي الوحيدة. أخبرتني القطط بذلك متأخراً، بعد أن وُضعتْ في كيس بجانب القمامة. ذهبت بسرعة، على الرغم من جوعي الشديد، وأنا يتملكني الغضب، رافعةً ذيلي ومبرزةً مخالبي.
عندما وصلت، رأيت الرجل الذي دهسها. كدت أقتلعه بأسناني، إلا أنني شممت رائحة جميلة، رائحة لحم دجاج، مع قليل من السمك. اقتربت من القمامة التي وُضعتْ بجانبها أختي. لم تكد عيني تصدق ماتراه. طبق طازج، فاهيتا دجاج. بدأت ألتهمهُ بشراهة. بعدها، لم أستطع الحراك فاستلقيت بجانب كيس أختي. تخيلتُ لو أنني كنت إنسانًا وكيف كنت سأبكي لمدة ثلاثة أيام، بعد دفنها في المقبرة، وهذا المكان لا أعرف عنهُ شيئاً، لأنه لايوجد به قمامة، فالأموات لايأكلون! سألت نفسي: لم لا أملك مشاعر مثل الإنسان؟! أنا أنسى بسرعة، وإذا كبروا قططي، لاأهتم بهم، ولي العديد من العلاقات مع قطط مختلفة!
أثناء تفكيري، نمت. رأيت فيما يرى النائم، أنني فتاة بعمر المراهقة. ولكن اسمي "مياو" وهو اسم قطة. أرى نفسي فتاة وفي داخلي قطة؛ ماهذا؟! رحت أنظر إلى الجدار. قلت سأحاول أن أتسلقه. إن إستطعت، فأنا قطة، وإن لم أستطع فأنا فتاة. هممت بالقفز، لكن أحداً فتح الباب، كانت أمي. قالت لي: هيا يا ابنتي، استعدي للمدرسة.
نظرت لي أمي بتعاطف شديد. سألتني: ألا زلت حزينة على فقد أختك؟!
نهضت من السرير. ركضت إلى الخارج، وأنا لا أزال تحت وطأة النعاس.
خرجت إلى المنزل، عبرت الشارع إلى المدرسة، فصدمتني سيارة.
تظنون أنني مت؟!
لا، فكما تعلمون أنا لي سبعة أرواح. سأنهض مجدداً.
ربما ماء
يهبط المساء، تنزل ستائره الرقيقة على سقوف البيوت المتهالكة، يزحف بظلاله المعتمة على نوافذه الخشبية المتآكلة وأبوابه الخربة، يطرق جدرانه المتصدعة، مصدراً صوتاً مهيباً ومفزعاً، يتشكل في أحلام الأطفال بصور وحوش، وبظلال طويلة، يأتي ليقتلع الأنفاس بهيبة حضوره.
رأس صغير مستدير، عينان قانيتا اللون، وشعر أسود بملمس خشن، وبشرة سمراء لامعة، وخدان نحيلان بعظام بارزة دقيقة، ويدان تمتد منهما عروق واضحة كجذور الأغصان الرفيعة، تبني الطيور على حوافها أعشاشها، تبحث بين مساماته الواسعة عن بعض من الماء المتدفق من جلده القاسي، لتبلل به فمها الصغير وتروي بعضاً من عطشها. كانت تتوق للإحساس بطعم الحياة المنعش بحلقها، فهنا في جزيرة "رُبْمَا"، لا مكان للإنسانية، فالكل يعيش على الآخر ليحيا!
عربة خشبية تتسلل من بين حشائش القمح الذابلة، صوت خطوات الخيل الأصيلة تتقدم بوهن لاهثةً، الأرض رمضاء قاحلة، والحجارة الصلبة تذوب من شدة الحر، وأشعة الشمس تأكل ما تبقى من صغار الأنعام والنباتات حديثة النمو.
كان المكان ينبئ عن هلاك وموت دائم، لا مجال للعيش هنا، فما أن تموت حتى تتحول جثتك إلى مأدبة عامرة لسكان هذه الأرض من حيوانات ونباتات وجمادات، حتى أنها لتمتص لونك لتشحب، فلا تبقي لك سوى روحك المتعلقة في السماء.
السماء تتأمل الحياة من تحتها، تود لو تزرع يدها داخل الأرض، لتخرج مصباح الأرض السحري، الذي تفجرت منه المياه منذ زمن، ثم جف ونضب.
ينزل من عتبات العربة شاب ذو قوام ممشوق، يرتدي هنداماً أنيقاً، وقبعة قش ريفية، وقميصاً فضفاضاً أبيض اللون، يلتصق بجسده العريض، مبيناً بعضاً من عضلات صدره، لقد تشربته مياه الشمس الساخنة نتيجة الحر الشديد، تطأ قدماه الطويلتان أرضية الجزيرة، يدير حدقتيه الناعستين ببطء، متأملاً ما حوله من منازل مصنوعة من غصون الأشجار اليابسة وشئٍ من الخوص البالي .
يُطرق رأسه، يمشي قاصداً احدى تلك المنازل الصيفية، كما أحب أن يطلق عليها، رفع يده ليطرق الباب ولكن سرعان ما تراجع؛ خشية من أن يكسر الباب بقبضته، وإن كانت خفيفة، فالرائي إلى ذلك الباب يظن بأنه سيسقط في ثانية واحدة، وإن حاول طلب الإذن بالدخول، فكيف بطرقه!
حاول أن يصدر صوتاً كي يشعر به أحد فيعلم بوجوده، أحس بحركات سريعة خلفه، فما إن التفت، حتى رأى صبياً يافعاً قصير القامة، ببشرة سمراء، يرتدي إزاراً يغطي به نصف جسمه، ابتسم للصبي وهو ينظر إليه واجم الوجه، مقطب الجبين، مميلاً شفتيه باستياء، حذراً بنظراته. اقترب منه، وهو يمد يده محييه قائلًا:
-مرحباً!
نظر الصبي له بغرابة، ومازال العبوس يخيم على سماء وجهه، أنزل ذاك يده وحاول أن يستحضر صورة السَّلام لديهم، فرفع يده وحركها بطريقة استدارية أمامه، وهو يكرر قوله الأول بلغة أخرى: -هاي!
لانت ملامح الصبي، ورد عليه بنفس الطريقة، تلون وجه الشاب بألوان البشر عندما أدرك أنه فهمه.
شعر الصبي بشيء من الراحة لهذا الشاب، فأخذ بيده، وقاده نحو منزله الذي يتوسط تلك المنازل المتفاوتة الحجم والسكان، توجه هو والصبي نحو منزله المنشود، دلف الصبي إلى المنزل وهو يردد عبارات غريبة، فما هي إلا لحظات، حتى أطلَّ أناس لهم نفس الهيئة والشكل فلا تكاد أن تميز بين ذكرهم وأنثاهم، طويلي القامة، نحيلي الأبدان، سُمر البشرات، أخذوا ينظرون إليه بغرابة، وهو يبتسم لهم بلطف، والصبي يقف في منتصفهم، مبينًا لهم أنه رجل غريب، بملابس غريبة، جاء بعربة فاخرة، يجرها حصان أصيل.
تقدم من بينهم رجل ذو ضخامة فائقة، يرتدي على رأسه طوقاً ملوناً من الريش ليميزه عن باقي أقرانه، فظن الشاب بأنه رئيسهم، تقدم إليه وحياه باحترام، صعق الشاب حينما رد عليه الرجل بلغة عربية سليمة قائلًا:
-مرحبًا بك!
دُهش الشاب ولكنه تدارك نفسه بقوله:
-أنا زائر هنا. جئت لكي أتفقد أحوال هذه الجزيرة وأهلها.
رمق الرجل الشاب بنظرة ساخرة، وقال:
-أتظن بأن في هذه الجزيرة ما يستحق أن يُتفقد، أو أن يسأل عنه، أو أن يُعرف بجديده. الحياة هي الموت هنا والموت هو الحياة هنا. الناس متشابهون، توائم متكررة، لا يبكي أحدهم على الآخر، إذا ابتلعت الأرض جسده. هنا، تقام مآدب العزاء كل لحظة، ويضيع العالم بالصمت، الضجيج هو السكون، لا شيء يدعو إلى النزاع، لا مال ولا طعام ولا حتى ماء وفير، السماء تتوقف هنا وينقطع نسلها من المطر، لا تضع مواليد جدد. هي فقط تُقل ابنها البار ليلًا، وتضعه ليعطينا الضياء، وتجعل منَّا غذاءً لابنها العاصي وقت النهار، يبخر أجسادنا من مائها، ويرمينا في أفواه الرمال، نتحلل ونصبح عشبًا ذابلًا، تأكل منه الحيوانات، أو هي تأكلنا بالأصح، إننا لا نحيا بالفعل لنموت، فنحن من أول ولادة لنا كُتب علينا الموت!
غارت عينا الشاب في تلك الليلة، كمداً وهماً مما سمع. خرج ليشتمَّ بعض الهواء، لعل حريق الحزن تطفؤه نسائم الليل الباردة. تأمل الفضاء بقلب فارغ و روح خائفة. سبح بخياله، ثم ما لبث أن فزع منه، ومن أن يقع في فخ تلك التصورات التي تصورها لنفسه، بين جنبات هذه الأرض المقفرة. أرهف سمعه لنداء هامس قريب، قادم من الجهة الخلفية للمنزل. أسرع بخطواته إلى هناك، وجد ذلك الصبي يقف على ناصية من الحجارة الكبيرة، يقفز مرة ويقع عدة مرات. كانت تنبت خلف ظهره جناحا فراشة ذهبية لامعة، تضيئان بنور شاسع. كان يردد كلمة وحيدة (رُبْمَا، رُبْما). ينظر إلى السماء ويكررها رغم فشله. ظل الصبي على هذه الحالة، والشاب يسمع كلمته تلك، ظانًا بأنه ينادي أمه التي انتزعتها يد الموت الحاصدة. لم يعلم بأن الغيم يمرُّ في كل ليلة من هنا، والصبي ينادي في كل يوم نفس النداء. دقق الشاب بصوت الصبي وذهل وكأن صوتًا من بعيد يتعمق في داخله. أدرك بعدها أنه الصوت البعيد الذي كان يسمعه من بلدته. كان يظنه حلماً أو خيالات عابرة، ولكنه الآن يراه حقيقة ماثلة. تشكلت الأحرف في فم الصغير هذه المرة ببطء أكثر. أيقن الشاب بأن النداء كان سبباً لمجيئه هنا، (فربما ماء) هي الجملة التي قادته إلى هذه الجزيرة.
فجأة، الشاب الذي أتى بعربته غُيبَ عن الحياة، والصبي انطفأ نور جناحيه وتمزق وذاب تحت الرمال. صاح أهل الجزيرة فزعاً، وغاص الجميع والجزيرة تحت الماء.
استيقظ الشاب على صوت قطرات المطر تطرق نافذة غرفته الأثيرية، ومازال الصوت يدب في أذنيه، ووجه الصبي يطل من زجاج النافذة بنور طفيف، بجناحين ملونين. كان ضاحكًا والقطر يبلله.
الجدة
رندة العثمان
تنهدت، وهي ترسل طيور عينيها في الفضاء البعيد، الذي لا يبلغ الطير مداه، ولاتعرف أين منتهاه. جلست متكأة على عكازها الأحدب المتعرج، الذي قد أنهكه حمل هامتها المثقلة بالأسى والحنين، وقد اعتاد أن يسند ظهرها خريفاً وراء خريف، حتى جاوزت التسعة عقود يابسات ،كيباس العود الذي ضن عليه المطر.
على جبال السروات الشامخة الصلبة، وقفت تحكي همها ،وتقطر أنهاراً من عينين تغضن جفناهما. تسقي سفوح وجهها المجعدة، وقد وسمته الأيام ورسمت دهاليز من تعب ومرار.
بجسدها الناحل الصغير، وقد تقوس من أعلاه، وضمر وتيبس من أسفله، يكسوها ثوبها الأسود الذي كاد أن يتحول الى البياض، ويكاد أن يغدو شفافاً، وقد كان من قبل، لا يخترقه الشعاع، وضعت شالها الأبيض الناصع، تغطي شعرها الذي أصبح محمراً متلاصقاً متقارباً، وبقيت جذوره البيضاء شاهدة تسعين شتاء عاشتها بحب.
كانت تجلس وتسند ظهرها لشجرة السرو العظيمة، التي شهدت مولد أمها وجدتها من قبلها، وتتمتم بكلمات تشبه الغناء .كان كلاما سجعياً جميلاً:
ياما ليالي بت أساهر نجومها
حتى غدا ضو الصباح نهار.
واشوف عديل الموت خالط عوارضي
والشيب عند الغانمين وقار.
يالله يامعبود تغفر خطيتي
أنت العزيز الواحد القهار.
أسالها فتجيبني بعذوبة الصوت الهامس، الذي بالكاد يبلغ أذني القريبة من شفتيها المزمومتين:
-رحلوا عني وتركوني اكابد مرارة فراقهم!
عرفت انها تعنيهم!
واحداً، واحداً، رحلوا. غادروا أماكنهم، تركوا بيوتهم، لم يأخذوا معهم خناجرهم الحدباء السليطة التي كانوا يتحزمون بها تفاخراً مرة، وارهابا مرة، ولا ثيابهم الجميلة، التي لطالما تحممتْ بعطور الورد والكادي، ولا أمانيهم وأحلامهم التي زرعوها وتركوها مخضرة، وتركوا معها أملاً يسقيها، فلا تذبل .
بقيت جدتي تنتظرهم! ليلةً بعد ليلة، تنتظر مجيئهم. تسمع أصواتهم تتردد في جنبات المكان والزمان، تناديهم فلا تسمعهم يجيبون، فتعود لتذرف أمطار عينيها شوقاً للقياهم.
نستيقظ قبل الطير على وقع عكازها، تتوضأ لتناجي الله، تدعوه أن يرحمهم.
حملتهم في بطنها أشهراً، وحملتهم على ذراعيها سنوات، وتحزمت عليهم فوق ظهرها، تربط الشال بقوة، يشعرون بالأمان بقربها فينامون، وهي ترعى الأغنام، وتصرم البرسيم، وتهش الطير عن الزرع المنتظر.كانت تظن أنها سترحل، ويبقون ليذكروها.
استيقظنا ذات يوم، على سكون الدار وصمتها، كأن جدرانها تنتحب بصمت وهدوء. لم تكن جدتي لتنام حتى تشرق الشمس. ذهبنا إلى غرفتها الصغيرة في أقصى الدار، وبالكاد يدخلها الضوء. رائحة الكادي والبعيثران والريحان تضوع في المكان، وهي مستلقية بهدوء واستسلام، وقد انتشر في حجرتها نورٌ يشع في جنباتها ويضيئ زوايا المكان، تحتل وجهها ابتسامة طفل.
الضحكة الهاربة
معاذ النجاشي
لا أدري لماذا أشعر بحاجة للضحك.
أنا في مقام الحزن، والضحك في مثل هذا المقام فاجعة لن تتحملها نفسي.
أهي حيلة فرويدية ليعبّر عقلي الباطن عن كراهيتي للمتوفى؟! لم أكن أستلطفه. كانت نظراته إلي توترني. لكن لو ضحكت الآن، سأموت شنقاً بأحداق الحاضرين.
مؤمنٌ أنا، بأن هلاكي لن يكون إلا بسيف حرج، تسلّه عيون الآخرين. نعم، الآخرون هم الجحيم؛ فهمتك يا سارتر.
لعل شيطان الضحك، راهن بروحه على أن يضحكني الآن. إن كان كذلك فليبشر بطول سلامة، فأعصابي أضعف من أن تقاوم أسخف نكتة، وسلطان الضحك عليها غير مدافع.
خرجت القهقهات من فمي، وشرعت سيوف الحرج تنثر عقيق دمي. سبحان من أودع العيون تلك القوة، تقتل بسيوف العشق أو الحسد أو الحرج، وربما قتلت بسيف الشفقة أيضاً.
أحس بالاختناق. لا أريد أن أموت هكذا. أليس لأصحاب هذه العيون قلوب؟! لماذا للإنسان عينان وقلب واحد؟! هل تكفي رحمة قلب واحد للجم سلاطة الأحداق؟!
أرفع أجفاني الثقيلة. ذراع تهزني. يبدو أنها ككل ميتاتي السابقة، لا تأتيني إلا في المنام.
في الحقيقة، أنا نومي أفضل كاتب لقصص الرعب. حين تفتحتْ عيناي، فجعت بالأحداق تسلّ نفس السيوف التي قتلتني في حلمي. نجوت من ضحكة مهلكة، لأصير إلى النومة المهلكة. لولا أن فؤادي كان في غشاء من نبال حرج الأحداق التي رمتني في منامي، فتكسرت عليها نصال الحرج التي رمتني في الصحو. أنعم بها من موتة تجريبية، تقيني الموت الحقيقي.
هاهو زميلي الذي كنت أضحك في عزائه، يرمقني بنظراته المدمية.
الآن، أرى صوابَ نزعتي الفرويدية للضحك في عزائه.
بدرية الشمري
يتكئ على ظل عصا. يعيش الماضي وينتظر أن يولد النور من رحم السماء، ليعود طفلاً يتلذذ بالحلوى. كان من الممكن أن يكون طبيباً أو مهندساً لولا أن والده قال: لا ترحل!
توقفت الشمس عن الشروق، او لعلها انتقلت لمكان جديد. ما هذا الذي يدور فوق رأسه؟ هل هو فراغ الذاكرة ام طنين الألم؟! كل شيء حوله لم يتغير إلا هو. كبر قليلاً وبعدها كثيراً حتى تحول إلى مومياء متحركة وصار اسمه (الزومبي) كما أطلق عليه أطفال القرية. ينتظر أن يأتي العيد مثلما تخيله دائماً؛ رجلاً يرتدي ثوباً ملوناً ويحمل بيده كيساً كبيراً من الحلوى. لكنه لم يأت، وجاء بدلاً عنه خيالٌ دخاني، بثوب ممزق يذكره بدخان مجلس والده عندما يشعل النار ليجهز القهوة.
امممممم.. قهوة رائحتها معطرة بالهيل والقرنفل. كانوا أغنياء وقتها فمن يمزج قهوته بتلك الروائح يسمونه (ولد نعمة)!
هل أتحدث؟!
اسمحي لي بالكلام، فمنذ بدأتِ الكتابة وأنتِ تتقمصين دوري.
دعيني أهذي قليلاً. لقد مللت الصمت وترك غيري يتكلم نيابة عني.
أنا الظل الذي كان من الممكن أن يتحول لإنسان يغادر بعد الثانوية إلى العاصمة، ولكنه دفن الحلم بجانب نخلة، وحمل الفأس ليكسر كل فكرة تمرُّ، وتحمل صورة المدينة التي لم تنتظر قدومي، وقررت أن تتمدد وتصل قريتي التي تملك من المقاومة ما يستعصي على كل قوة، فهي قادرة على إقناع الجميع بما تريده لدرجة أن "ستاربكس" بعد أن وصلها، صار يعد القهوة على الحطب!
الكل تشكل ورسم ملامحه على غيمة حلمه، وأمطر واقعاً، إلا أنا.
الكل خارج حدود هذا القهر، وصل إلى نقاط البداية، وتعلم الرسم على السماء وقطف النجمات وصناعة القدر.
آه تعبت وجف حلقي.
وأنتِ هنا أيضاً، تشبهين كل من تخلى عني.
تناولي الحروف وأكملي إذا كان هناك شيء يستحق!
القادم
طرق على باب مكتبك يوقظك من شرودك ، فتعدل من وضعك على الكرسي ، وتضبط نبرة صوتك بنحنحة.
-تفضل.
أحد موظفي مكتب شؤون الموظفين الذي ترأسه، وبيده أوراق تتطلب منك الاطلاع عليها وتوقيعها، ضجرك لا يعطيك الإمكانية اللازمة لقراءة هذه الأوراق، تطلب من الموظف أن يخبرك بمحتواها.
-إنها أوراق لموظف منقول إلى الرياض من فرع بيشة.
-ما اسمه؟
-اسمه حسين.
-حسين ؟!
-وأين هو الآن؟
-أخبرته أن يحضر غدًا مبكراً ؛ لأن وقت الدوام قارب على الانتهاء.
تدير القلم بين أصابعك، وتضرب بمؤخرته على مكان التوقيع حيث يعاودك شرودك، فتتذكر عندما سألت والدتك، وأنت تسحب دراجتك ذات الثلاث عجلات، وقد فقدت إحداها.
-يُمَّه ، أبغى سيكل أبو كفرين.
-إن شاء الله.
-متى؟
وترد عليك بالرد الشعبي المتداول حينها:
-إذا جاء حسين من بيشة!
تنتبه إلى صفق الباب خلف الموظف، وقد أخذ الأوراق من تحت يديك وتتساءل في نفسك، هل وضعت توقيعك على الورقة أم لا؟ ولماذا خرج بهذه السرعة؟ فتنظر إلى ساعة الحائط في مكتبك، وتجد له عذراً ، وتلحق به .
جهاز تكييف السيارة على أعلى درجة من البرودة، ونظارتك السوداء تحاول أن تخفف من حدة ضوء الشمس الحارقة، ظهيرة قاسية، وطويلة كطول تلك السنوات التي انتظرت فيها حسين، وكطول الطريق إلى منزلك، حيث الشوارع تتألم من وهج الشمس، والسيارات تتأفف من بعضها ، والإشارات الضوئية تنظر إليك بعيون حمراء، وكاميرات "ساهر" تترقب خطأك، لتلتقط لك صورة، بعينين مجهدتين تحت نظارة سوداء، وشفاه مطبقة، يعلوها شارب كثيف وعلى الرأس عقال لم يكن معتدلًا، حيث مال قليلًا. تعدله في المرآة، وتعدل نظارتك السوداء، وتتذكرها في هذه اللحظة، وكأن مجيء حسين أعطاك أملًا بأن تلتقيها مجددًا. تتذكرها حين بدت كالشمس في تلك الليلة التي خالجك فيها شعور بأنك فقدت نبض عروقك. قلت لها بدون أن تحرك شفاهك : "مجللة ببياض عينيَّ، هكذا تبدين كالحلم الشفيف، حين طرقت أبواب أيامي، هكذا كالحلم حين تتسللين من نوافذ دفئي، الذي خبأته فأمسى يكوي القلب، يسمه بوسم حبك، هكذا ترحلين بلحظ أحداقي إلى بياض فجرك القادم".
قلت ذلك في أعماقك الغائرة في الصدق، المجللة بالصمت و الصبر، عيون الشك تسترق السمع لما تقول، ولكنك تداري بعينيك عن العيون؛ خشية أن تفرَّ منك دمعة تفيض بما في داخلك، فتغرق في أعماقك.
طرق على النافذة كطرق المطر، ولد صغير ذو ملامح تشبه أعماقك يحمل في يده علب مناديل، ينتظر من يبتاعها منه؛ ليجفف عرق هذه الظهيرة، أو يمسح بها دموعًا انسكبت لأي سبب كان. أومأ برأسه وهز علبة المناديل، أشرت إليه بالنفي من خلف الزجاج، كرر مطلبه وكررت إشارتك بالنفي، لم يتحرك، وأخذ يحدق بك. أنزلت زجاج النافذة.
- لا أريد علبة المناديل، يوجد لدي واحدة. قلت ذلك وأنت ترفعها أمام ناظريه.
لم يجبك. اقترب أكثر وهو يحدق بك ويقرب علبة المناديل .
- بكم؟ سألته بشفقة.
- بريالين فقط.
- ولكن يوجد لدي.
أخذ يحدق بك وكأنه يغوص في أعماق ملامح وجهه المنعكسة في بريق نظارتك السوداء. خلعتها، أغمضت عينيك من شدة ضوء الشمس، أعدت النظارة إلى وضعها على ملامحك التي استعادت طبيعتها. ناولته ريالين، وتركت علبة المناديل بيده.
بينما الفرشاة المغموسة في اللون الأسود تكمل صبغ النظارة. تتراجع إلى الخلف، لترى اللوحة بشكل كامل، وتشعر بأن هناك شيئاً ما ينقصها، لا تعرف ما هو، فترمي بالفرشاة جانبًا، وأنت تأمل أن يكون الوقت الذي قضيته في إكمال رسم اللوحة قد أراحك من ثقل انتظار الغد؛ لتلتقي بحسين، ولكن عقارب الساعة تلدغك ببطئها، فتحمل جسدك إلى الكرسي لتجلس خلف مكتبك، وتمسك بالقلم؛ لتغرق في أوراقك، فيشرئب عنقك، تصرخ بصمت وتنادي؛ لعل الحلم يأتي بجناحين كجناحي حمامة قادمة من الشمال، تنادي حلمًا في بياض صفحة، عجزت الأقلام والكلمات عن تلوينها بعبارات الشوق، رغم مرور الليالي التي تضطرب كموج بحر، وتمنيت لو تركب أمواجه وتسافر كا لسندباد، تطوف الديار والبلدان؛ لعلك تظفر بحلمك الذي فقدته منذ زمن. تفتح أشرعة مركبك للرياح، ولحيث تشير بوصلة القلب تريد أن يجري الهواء والهوى.
يتوقف نزف القلم على الأوراق، وتسند ظهرك إلى الكرسي، ترفع بصرك إلى سقف الغرفة وكأنك تبحث عن القمر حيث الثريا المعلقة في الأعلى، وكأنك تبحث عن كلمات نفرت منك كغزال يعشق البرية بين كومة الأوراق المنكمشة عند سلة المهملات، وهي تندب حظها؛ لأنها لم تحظ بإعجابك، أو بالأحرى لم تحظ بشرف التحليق إلى حمامتك. تتناول كأس الماء؛ لتروي جفافًا يجري في عروقك، ويتوق إلى رائحة المطر وخضرة البساتين، ثم تسلم رأسك للمخدة تنتظر الصباح.
حالما يحلُّ الصباح، تراه صباحًا يختلف عن كل الصباحات، فتتناول إفطارك على عجل، وتستقل سيارتك وسط زحمة الرياض، وبداخلك اشتياق غير مألوف لمكتبك، ولا تستطيع الانتظار حتى وصولك ، فبدأت تتخيل بأنك استدعيت الموظف، وطلبت منه أن يأذن لحسين بالدخول إليك. فيخبرك بأن هناك خطأ حصل منه بالأمس، وأن اسمه حسن وليس حسين!
قطة الحقيبة
على هون تمسك بدموعها وتدسها بين ركبتيها، تدفن ألمها في العتمة المتكومة في زاوية غرفتها، حيث ظلها المنكمش مستندًا على الجدار ويلعق نفسه بين حين وآخر كقطة مجروحة.
في ذلك اليوم الذي عادت فيه من المدرسة، وهي تحمل حقيبتها ذات القطة البيضاء الجميلة، تكابد ثقلًا يختبئ فيها كل مساء وتحمله معها صباحًا، لتعود به إلى المنزل كما هو، تدلف من الباب الموارب، وصوتهما كسياط تجلد شيئًا ما داخلها، لا تدري ما هو لكنه شيء له علاقة بالحياة، لم يعد يهمها سبب شجارهما وعلى ماذا يختلفان، لم يعد يهمها سوى أن تعيش في أحضان الصمت وتلتحف السكون.
عندما كبرت القطة قفزت من حقيبتها واختفت من المنزل. استيقظت ذات صباح على بلل أحمر ولم تجدها، من ذلك الصباح اختفت أشياء كثيرة مع قطة الحقيبة، عدا صوتهما الذي يقفز في كل مكان. تطل أمها من باب الغرفة:
-استيقظتِ؟ متأخرة في النوم كالعادة! تعالي ساعديني في المطبخ، ابن خالتك قادم اليوم؛ ليقيم عندنا، سيكمل دراسته في الجامعة.
عندما اجتمع الجميع قبل الغداء، أخرج ابن خالتها من جيبه حلاوة:
"أحضرتها لك، صورتك في ذهني كانت تلك الطفلة الصغيرة .. كبرت ما شاء الله!"
امتدت يده بالحلاوة، لفت نظرها -على ضوء الشمس القادم من النافذة– ظل يده الممتدة بالحلاوة، بدت بأظافر طويلة وكأنها مخالب.
في زاوية الغرفة تزداد تشبثًا بركبتيها، تشعر بالقشعريرة؛ نتيجة البلل الأصفر الذي لم تشعر بخروجه، وهو يلون ملابسها برائحته الكريهة.
ظِلُّ يده ذات المخالب، يقف فوق رأسها، يتضخم ظله، يلتهم بصيص النور في الغرفة، تظلم الزاوية.. تصرخ .
يفلت قبضته التي خنقت معصمها، وهي ملقاة على سريرها، ينهض مبتعدًا، تمسح قبلة لوث بها عنقها، تضع يديها فاصلًا بينها وبين توحشه، تتأمل أناملها بدون مخالب، تبصر لعاب شهوته يسيل له رائحة عفنة كريهة، تصرخ مستدعية قوتها، وقبل أن تحضر يكتم بيده فمها: " لن يسمع صراخك أحد، سأقتلك لو علم أحد بما فعلت، سأخبرهم بأنك تهاتفين ابن الجيران، نامي وأغلقي فمك !" قالها بكل جرأة متدثرة ثوب الوقاحة.
سرُّها الذي يتسع داخلها كبالون، سينفجر حتماً إذا لم تخبر به أحد. حين فكرت في والدها، تذكرته عندما قال لها أمام المدرسة: "لا أستطيع أن أحضر كل يوم لآخذك من المدرسة، ستعودين على قدميك، المنزل قريب". ولم تفكر أبدًا في إخبار أمها التي لم تشاركها -ولو لمرة واحدة- اللعب بأواني الطبخ البلاستيكية.
انفلت سرها الكبير من قيد لسانها، عقدته في مسامع سلمى صديقتها منذ الطفولة التي احتارت في أمر أعز صديقة لها، ولكنها قررت:
"سأخبر أبي بقصتك".
لا تعلم لم وجدت ارتياحاً حين قالت سلمى ذلك ، تذكرته -والد سلمى-، حين كان يحضر يوميًا لأخذ ابنته، وكيف كانت تتأرجح ممسكة بيده القوية، وهو يضاحكها، وتتذكر حين اضطرت للعودة معهما لإيصالها إلى المنزل، تتذكر حين قال لها:
"هل تتأرجحين أنت أيضًا ؟!"
لم تمانع .كانت تريد أن تجرب هذه المتعة. أمسكت بيده، ورفعت جسمها الصغير عن الأرض معتمدة على عضلاتها الواهنة، وبدأت تتأرجح. وحين سألتها المعلمة في اليوم التالي:
"من هذا الذي كنت تتأرجحين ممسكة بيده ؟!"
قالت:
"والدي"، وهي تختلس النظر إلى سلمى التي كانت تتطاير من فمها الابتسامات كفقاعات صابون.
في طريق العودة من المدرسة بصحبة سلمى ووالدها ، قال لها والد سلمى:
"لا بد أن تخبري والديك بالأمر، إنه خطير، ولا بد أن يجد من يردعه. سأكون حاضرًا عند حاجتك لذلك، ثقي بي".
ظلت ساهمة حتى وصولهم إلى الحديقة، مفترق طريقهم. غادرت سلمى ووالدها، بينما توقفت هي، تتذكر عندما كانت تركض ناحية الأرجوحة قبل أن يصل إليها أحد. وقفت بجوار الأرجوحة، لمحت ظلًا يمتد لشخص يقترب خلفها، وضعت الطفلة، التي كانت هي، على الأرجوحة وغادرت راكضة ، وقبل أن تنعطف ناحية المنزل التفتت خلفها. كانت الأرجوحة تتأرجح، دون أن يكون أحد عليها.
غرفة بخمس زوايا
شريفة الزهراني
في ساعة متأخرة انهض.
أزيح الستارة الطويلة الثقلية عن شرفتي المريضة.
اتكئ على عاتقها، أتأمل البلدة وقد نامت من التعب.
اتفحص وجهها المرهق، أقرؤ تجاعيدها.
أبحث في الطرقات عن بائسٍ يسير وحيداً، فإذا بعشرات البؤساء يسيرون في اتجاهات مختلفة! بعضهم يضع يده على قلبه، وبعضهم يدسها في جيبه وينظر للسماء؛ لابد أنهم يصلّون كي يعود أحبتهم إليهم.
وأنا أصلّي!
يمكنني مع هذا الهدوء سماع زقزقة العصافير التي لم تنم حتى الآن، داهمها الأرق.
أُحسُّ بالأشجار والحشائش الصغيرة، قرب الترعة، تتنفس بصعوبة.
أشاهد المنازل.
استنطق جدارنها الخرساء. أضحكُ من كلب الحراسة المرتاب هناك.
بعد برهة، صار"يتشاجر مع ذيله"، وقد دنا الفجر ولم يظفر بلص!
أسدل الستارة الطويلة الثقيلة.
أعود لسريري.
أدير بصري في الزوايا الأربع.
لماذا لا تكون غرفتي بخمس زوايا؛ كالنجوم؟!
فيصل الحجي
صندوق الصياد
حبيسةً بين أربع جدران، في مكان مظلم رطب.
تلفتت حولها، علّها تسمع صوت رفيقاتها الحبيسات معها. صاحت:
-أين أنتن؟
-نحن هنا معك، لا تخافي!
اطمأنت بعض الشيء وأغمضت عينيها لتنام.
فُتِح السقف فجأة وغمر الضوء المكان؛ شعرت بهلع شديد، وبعد لحظات امتدت يدٌ عملاقة واختطفتها من بين رفيقاتها!
حاولتْ طلب المساعدة بالصراخ والعويل ولكن دون جدوى؛ حاولت الإفلات من اليد لكنها كانت ضعيفة جدًا!
ثبّتها الصياد بخطاف السنارة وبدأ يتجهّز لرميها في الماء. قالت لنفسها: أستطيع الهرب إن سقطتُ في البحر وتحررت من الخطاف!
شدت الدودةُ نفسها، واستجمعتْ قواها للهرب؛ رمى الصياد بالخيط وشعرت الدودة بالماء يغمرها من حولها.
تحركت يمنة ويسرة، محاولةً الفكاك، لكنها لم تستطع. استسلمت سريعاً، عندما أُنهكتْ قواها، وقررت الانتظار وطلب المساعدة ممن يمرُّ بالقرب منها!
تلفتت حولها مستكشفة البحر؛ لا شيء جديد! أسماك تحوم، نباتات تتراقص مع تيارات الماء. حاولتْ مناداة سمكة لمساعدتها، لكن صوتها لم يكن قوياً بما يكفي.
جالت الذكريات في خاطرها، عندما كانت مع أهلها في التربة، لا يكدر صفو حياتهم أحد، إلا حين أمسك بها ذلك الصياد السمين وحبسها في صندوقه!
أخذت تنوح وتبكي، تحاول نزع الخطاف بشكل جنوني! لفت عويلها وحركتها انتباه الأسماك. فجأةً، وجدت الدودة نفسها محاطة بالسمك من كل الجهات، ولم تعجبها نظرات السمكات اللاتي بدا عليهنّ الجوع والطمع، وكأنهن لم يأكلن منذ فترة طويلة!
قالت مرتجفةً مرتعبة:
-لا تأكلوني! ستموت السمكة التي ستأكلني!
ضحكت السمكات، ساخرات منها. ردّت عليها إحداهنَّ ، بصوت مخيف:
-إن كنت تظنين أنه يمكنك النجاة بكذبة سخيفة كهذه فلا تتعبي نفسك. لن تنطلي حيلتك عليَّ يا صغيرة!
أغمضت الدودة عينيها واستسلمت لمصيرها المحتوم!
في الطرف الآخر، سحب الصياد سنارته، حاملةً سمكة كبيرة تتراقص في الهواء محاولة الإفلات، ثم وضعها في ذات الصندوق الذي حوى الدودةَ منذ دقائق!
مملكةُ النمل
هدأ كلُّ شيء فجأة؛ اختفى تغريدُ الطيور، خفَتَ طنينُ الحشرات، سكنتْ الريح!
تحرّكتْ النملةُ بسرعةٍ مع رفيقاتها، وهي لا تدري ما الخطب؛ كان كلُّ ما سمعته هو "عودوا إلى بيوتكم سريعًا!"
دخلتْ بيتَها الذي حوى الآلاف من أخواتها، كان الوضع متوترًا في الداخل؛ وما هي إلا لحظات حتى دوى صوتُ انفجارٍ ضخم، هزَّ الأرض كلها! قالت إحداهن: "لقد ثار البركان!"
دبَّ الرعبُ بينهن، تسارعن للاختباء في أبعد الأماكن عن سطح الأرض، وتبعت النملةُ أخواتها؛ سألت بنبرة هلع: "ماذا سيحدث؟"
لم يجبها أحد، كان كلُّ ما سمعته هو اللعنات على تلك الملكةِ التي اختارتْ هذه الأرض لسكنهم! استمرَ الحالُ، حتى وصل النملُ إلى مكان آمن، بعيدًا عن حرارة الحمم المنسابة.
بقي حالهنّ هكذا فترةً طويلة، وكلما حاولت إحداهنّ الخروج، واجهتْ كارثةً في طريقها!
وكلما أرادت نملةٌ المحاولة، هبّت في وجهها مجموعةٌ أخرى من النمل قائلات: "لماذا تحاولين الخروج وأنت تعلمين ما سيحدث، سنموت جميعًا بسببك يا حمقاء!"
ومع مرور الأيام تحول الوضع من سيئ إلى أسوأ، وما زالت محاولات الخروج تبوء بالفشل بسبب آثار البركان الذي أحرق كل شيء. قامت النملة أمام الجميع وقالت: "سأخرج الآن!" أنا لا أرضى أن أحبس تحت التراب إلى الأبد! نموت ونحن نحاول، خيرٌ من أن نعيش جائعاتٍ حبيسات في هذا السجن الكئيب! تحمّستْ بعض أخواتها وتبعنها، وبدأن بحفر طريقهنَّ للأعلى. لم تكن مهمتهن سهلةً، فقد ماتتْ بعضهن أثناء الحفر، وانسحبَ بعضهن الآخر، خوفًا من المصير ذاته؛ لكن هذا لم يثن عزم النملة عن إكمال طريقها، حتى وصلت هي ومن لحق بها إلى السطح! لم تصدق ما رأته عينيها، السماء الزرقاء من جديد، والغابة الخضراء، والطيور تحلق في السماء دون خوف!
سألتها إحدى النملات: هل نعود لنخبر البقية في الأسفل؟!
خمس قصص
حليم الفرجي
البرواز
مئة وخمسون عاماً، لازال في نفس المكان، أناس يرحلون، وآخرون يستقرون عاماً أو عامين، ولا يلبثون أن يرحلوا، تاركين خلفهم بعضاً من ذكريات، والكثير من الأسرار، وهو لايزال في مكانه ينظر للوجوه العابرة، ولا يملك أن يخاطبها، يعيش معهم قصصهم، ولا يستطيع تغيير فصولها.
الآن، بعد مضي كل هذه السنوات، وقد ضاق ذرعاً بخرسه العجيب، لابدَّ له من الرحيل، فقد شاخ البرواز الذي يحتويه، وأصبح أقل قوة من السابق. كثيراً ما حاول التمرد طوال تلك الأعوام، لكن الخوف من العالم الخارجي كان يمنعه، الآن بدا أكثر إصراراً للعبور نحو النور.
في غفلة الليل، بدأ في التمرد للخروج، حطم الأغلال الحديدية التي تربطه بالجدران. هاهنا، يمد يديه نحو الفراغ، يبدأ في الإحساس بالوجود الذي سمع عنه كثيراً. وحين وضع قدميه أرضاً، بدأ يرتجف من البرد، فقد نسي معطفه معلقاً هناك، داخل البرواز.
كمقعدٍ، يمشي لأول مرة، بدأ أولى خطواته. مضى زمنٌ بعيد، عن آخر مرةٍ تنقلتْ فيها قدماه فوق جماد. يبحث عن الباب، فقد نسي أن يحفظ مكانه قبل أن يحل الليل، يسيطر عليه خوف من المجهول.
ترى إلى أين أنا ذاهب؟ علاقتي بالعالم لاتتعدى وجوه تأتي وترحل، وبعض الجمل التي تعلمت نطقها. هم يمجدوني كصورة. يقفون أمامي كثيراً، ممتدحين إتقان المصور وعبثه بالمكان، ممجدين ذلك الكرسي الذي ظللت أسيراً له، ما يفوق عمر البشر. الآن، وقد تخليت عنه، يا ترى من سيشعر بوجودي؟
يسمع صوت خطوات قادمة، وبعض السباب المنطلقة من الأفواه. يحاول العودة للإختباء داخل البرواز، ولكنه أضاع طريق العودة. يفتح الباب، فيتسلل ضوء المصباح للحجرة المظلمة. يركض ليختبئ خلف رجل الكرسي، الذي يتوسط قاعة المتحف الأنيقة. تتهاوى أقدام عملاقة على رأسه.
-أووووووه هذا البرواز أصبح قديماً جداً، لايستطيع حمل الصورة!
-نعم يجب علينا تغيييره في الغد.
-حسنا أرفعه الآن، وفي الصباح ننظر ماذا يمكننا فعله.
ينسحب الجميع من القاعة، بعد تعليقهم البرواز الكهل، وبداخله صورة لكرسي خال.
الوسيط
لم أولد وبفمي ملعقة من ذهب، بل لا وجود حتى للملاعق الحديدية في ذلك الوقت.
لطالما حدثتني جدتي، التي تولت تربيتي بعد وفاة أمي مبكراً، وزواج أبي من أخرى، أن الأمهات كن يعمدن إلى بعض عظام الدجاج المجوفة، ويستخدمنها كملاعق، وكن يطلقن عليها (المغردة).
هذا يعني أني قد حظيت بطفولة مدللة جداً.
جدي كان وسيطاً من السادة في ذلك الوقت، حيث كان يقصده الناس من كل مكان، ويختلون به كثيراً. لم أك أشغل نفسي في معرفة ماذا كان يدور في تلك العشة حينها. كنت أغلب وقتي مع أقراني لنرعى أغنام القرية، ولم أع معنى أن تكون سيداً وسيطاً بين الحياة والموت، إلاّ عندما بلغت، وأصبح لزاماً عليّ حضور تلك المجالس مع جدي، الذي كان يتلقى معلومات عن الميت المراد زيارته في حياته الأخرى. كان لجدي هيبة عظيمة. يقال أن الجن تخافه وتطيعه، وحتى الموت لايجرؤ على أخذه. هم يتحدثون عن الموت كفرد منا. أنا أيضا لم أك أخشى الموت يوماً، بل أن هناك شعوراً بالسلام، أعيه بداخلي، يربطني كثيراً بالمقابر، فلا تشعرني بالوحشة أبداً، ولم أخشَ يوماً المرور بجانب القبور في الظلام. يتبادل الناس القول بأني سأكون خليفة لجدي.
كنت أرقبهم في تلك الليالي، يقومون بغسل جدي غسلَ الجنازة، ومن ثم تكفينه، وتركه بمفرده في تلك العشة البعيدة حتى الصباح. لقد كان يعبث مع الموت كثيراً، وبدا لي أنهم أصدقاء جدا،ً فقد كان طريقه معبداً للذهاب والعودة، ولربما كان يبذل أشياء لا أعلمها للجن، لترافقه إلى هناك وتعيده، فلا يضيع الطريق؛ أوكان الموت سهلاً هكذا؟!
كانت جدتي تخبرني، أن جدي يذهب لزيارة الميت الذي يريد أهله معرفة أحواله في البرزخ، أو إذا أرادوا سؤاله في أمر ما، وغالباً ما يعود جدي في الصباح، حاملاً معه الأخبار التي تريح القلوب المنتظرة.
ذات صباح استيقظتُ على صراخ جدتي، فقد حبست روح جدي عندما كانت تحت الأرض، ولم يتركوها تعود إلينا. ربما أنه أغضب الجان، أو أن الموت أخلف مواثيقه مع جدي.
حزنت القرية كثيراً على رحيل جدي كبير السادة في ذلك الوقت. بعد شهر، قاموا بتنصيبي مكانه، ولم أكن بالشجاعة الكافية لأرفض!
أخبرتني جدتي، أن هذه كانت طريقة جدي لكسب رزقه، حيث تبذل له العطايا من النقود والماشية من ذوي الموتى، وأنا أيضاً ينتظرني مستقبل حافل بالعطايا والعظمة، إن أنا أجدت الحفاظ على هذه الهبة المعطاة لنا نحن السادة.
لم أكن أعي خطورة الذهاب إلى العالم الآخر. أخبروني بأنني يجب ألا أثرثر مع الموتى، كذلك ألا أنظر في أعينهم، وألا أطيل الجلوس هناك، وألا أبين لهم خوفي. أنا أذهب فقط، لإكمال المهمة التي وجب معرفتها، والعودة فوراً، وإلاّ سأبقى حبيسا هناك كجدي.
لم تكن التجربة سهلة، ولم يخبرني جدي قبل رحيله شيئاً عن هذا، وكيف يستطيع زيارة الموتى والعودة ثانية. يتساقط عرقي، وأتلعثم كثيراً؛ سأخبر الموتى بأني حفيدة السيد الكبير. عندها، سيخافونني، ولن يمسوني بسوء! ولكن كيف سيخافونني، والموت قد أخذ جدي إلى هناك مثلهم تماما؟ نعم، إن مهمتي كسيد جديد، تحتم عليّ التظاهر بالشجاعة على أقل تقدير.
بعد صلاة العشاء، بدأوا بتجهيز الكفن. ودعتني جدتي وتركتني مع الرجال وذهبت لترسل دعواتها، كي أعود مجدداً. تمددت، قلبي يخفق بقوة. يقتربون مني مرددين بعض الأدعية، ويقومون بغسلي كما يغسل الميت، ثم يبدأون بلفي داخل الكفن. غطوا وجهي ومضوا . كنت أرى إنعكاس ضوء الفانوس على سقف العشة، حتى ساد الظلام كلياً، فعلمت أنهم رحلوا وتركوني مع قدري.
لا مجال للتراجع إذاً. يعاود قلبي الخفقان بقوة، بينما يتم سحب روحي إلى مكان مضئ قليلاً. المكان شبيه بالسرداب الطويل جداً، الذي يبدو ألا نهاية له، وعلى حافتيه الكثير من البشر يرتدون البياض، لاتكاد تلامس أقدامهم الأرض، ينظرون بإتجاه الفراغ، أصواتهم شبيهه بالفحيح. لم أر جدي بينهم، ولم أعرف أحداً هنا. وجوه شاحبة، متشابهة نوعاً ما. كنت اتلفت في هلع، بحثاً عن الميت المرسل إليه. كانوا ينظرون إليّ في فزع أيضاً ويتهامسون، كنت أسير ولكن دون أقدام، فقدت أيضاً الشعور بالوقت والمكان. وجدتها تنظر إليّ، إقتربت منها دون خوف. نعم، هذه هي أمي، تجتذبني إليها فأغوص بداخل صدرها، في لهفة فلا أجدها. لامحسوسات هنا إذاً! يبدو أني أهدرت الكثير من الوقت، فالفتحة التي يتسلل منها النور والحياة بدأت بالإنغلاق، بينما لازالت أمي تجذبني إليها، وأنا لا زلت أبحث عن ميتي !
أقف بين الموت والحياة، محدقاً بالفراغ مثلهم تماماً، أقف جامداً ولا أستطيع الإختيار. بالخارج، هناك أيدٍ تلوح لي، بينما تنغلق دائرة النور رويداً رويداً. أعيش داخل كابوس حقيقي، أمي تمسك يدي بقوة وأنا هائم على وجهي بين الموتى، لم أتمكن من تحديد حقيقتي حتى الآن؛ أأنا ميت بين الأحياء أم حي بين الموتى؟! حقيقة لا أعلم، فقد أضعت نفسي، بينما القوم لازالوا ينتظرون حتى الآن، استفاقة سيدهم المزعوم.
الضمير
أصوات الطرقات تزداد يوما بعد يوم، طرقات معدتي المنتفخة، كان الأمر بمثابة الحلم الذي يراودني كلما استسلمت للنوم، فلا ألبث أن أنهض مستجيباً لهذا الطرق المتواصل ظاناً أن هناك من يقف بالباب.
بدأ هذا منذ فترة طويلة، عندما ابتعت رغيف خبز من إحدى البائعات بالشارع المجاور، وفاصلتها في السعر كثيراً، فلوحت لي بيدها، ومضيت وأنا ألتهم الرغيف من شدة الجوع، يبدو أنها ساحرة أو شيئاً كهذا، فمنذ ذلك الوقت ومعدتي لم تتوقف عن الطرق، وكأن هناك كائناً بالداخل يريد الخروج. بدأت بتجنب المرور من ذلك الشارع، في محاولة يائسة لجعل معدتي تنسى ماحدث في ذلك اليوم.
قبل شهر تقريباً، وأنا في عربة النقل، شاهدت إمرأة عجوز تعبر الشارع تحمل الخبز المحشو بالعجوة، فتذكرت ماحدث، وبدأت معدتي بالطرق هذه المرة بشكل متواصل وبإلحاح، حتى خيل إلي أن كل من كان بالعربة، يلتفت بحثاً عن مصدر ذلك الطرق؛ أهو الجوع أم لعنة تلك السيدة تلاحقني؟
هناك حفلة تقام بمعدتي، و كلما ازداد صوت الطرق يزيد حجم بطني كثيراً كثيراً، وتطور الأمر إلى أن بدأت أتقيأ أرغفة مستديرة كل يوم، رغم أني لم أتناول شيئاً منذ فترة طويلة. لم تفدني زيارة الطبيب الذي يقطن في العلية المجاورة، بل أنه ظن بأنني مجنون، وضحك مني كثيراً، وبات يصف مايحدث لي بالهلوسات، قائلاً بسخرية:
-من يجد الخبز في أيامنا هذه، فليتقيأ كل هذا الكم من الأرغفة.
استيقظت صباح اليوم، وأنا أشعر أن هناك شيئاً ضخماً يحاول عبور فمي، ليس رغيف خبز هذه المرة، بل شيئ أكبر، شيئ حيٌ، ربما يتحرك ويملك أصابعاً خمس، شيئ يشبه يدي تلك التي حملت بها ذلك الرغيف قبل عام ونصف.
بدأت تتدلى من فمي، عبثاً حاولتُ ابتلاعها، فهي تمتد وتمتد وتعبر حلقي وكأنها جذع شجرة يخرج من جوف الأرض. أخذتْ تلك الأصابعُ تلوح لي، وتعيد أحداث ذلك اليوم المشؤوم، ونظرات تلك المرأة تلاحقني، وأنا اختبئ بين جمع من المارة، بعد أن سرقت رغيف الخبز ولذتُ بالفرار.
الرأس
-رأسه ينمو سريعاً، بشكل خطير.
كانت هذه هي كلمات أمي، دائما ماترددها على جاراتها عندما يقمن الأخيرات بزيارتنا في المناسبات أو الأعياد، حيث أن أمي توقفت عن اصطحابي معها عند خروجها للتسوق في الإجازات أو الزيارات العائلية.
أصبح رأسي كبيراً جداً، حتى أني أصبحت أتدحرج خلفه يوماً بعد آخر، والغريب أني لا أشكو من ألم، عدا بعض الأفكار الغريبة التي تراودني يوماً بعد يوم.
-يا إلهي؛ إن في رأسه شيطان ينمو!
لم تصدق أمي حديث تلك المسنة التي جاءت لرؤيتي، عندما كثر حديث القرويين عني،
وأصبحتْ منذ ذلك اليوم تحرص على تعليق الأحجبة حول رقبتي وقراءة بعض السور القرآنية وإطعامي الحبة السوداء لصرف الشيطان عني، كما نصحتها تلك العجوز، وتطبيبي بوضع اللبخات الحارة تارة، والباردة تارة أخرى، على رأسي الضخم من الحناء والأعشاب.
كنت بالأمس، أتدحرج خلف رأسي المثقل. أما اليوم، فإني لا أستطيع الحراك، فقد غدا ضخماً جداً، ولم يعد يمكنني تمريره من خلال فتحة الباب. ينمو الشيطان برأسي يوماً بعد يوم، فيستحوذ على عقلي، وأبدو أكثر شراً، كما تتناقل النسوة الحديث.
-هذا الصبي مبارك، وله إمرة على الشيطان، ويستطيع فك السحر و شفاء المرضى.
عادت تلك المسنة تقولها، عندما زارتنا بالأمس، وأخذت تنظر في عينيَّ اللتين تضاءل حجمهما، فلم أعد أرى كثيراً. ذاع صيتي أكثر من ذي قبل، وأصبحت النسوة تحضرن لي أطفالهن المرضى، لأمسح بيدي على رؤوسهن، مقابل بعض النقود أو الطعام. كما أني برعت في شفاء السحر ولوثة الجنون.
حقيقةً، لا أعلم كيف، ولا من أين لي هذا الطب؟ وفي كل مرة أضع يدي على رأس مجنون، يتحرك شئ ما في رأسي، فينمو وينمو ويتضخم، حتى بات كوخنا لايتسع لرأسي، وبدا لي أني أعيش في الظلام فلم تعد عيناي تقوى رؤية العالم الذي بدا أصغر بكثير مني.
كنت مقيداً، منذ طفولتي، بهذا الرأس، ومصدر شفقة للجميع. أما الآن، فالجميع يغبط أمي على وجودي، فإن كبر رأسي بات مصدراً للرزق، ولم يعد أحد يأبه بألمي ولا بذلك الشيطان الذي يسكن جمجمتي وينمو بجنون.
بات الكوخ يتشقق، جرَّاء كبر رأسي، حتى أفقتُ ذات صباح، فإذا بي في العراء، والهواء يضرب في جسدي من جميع الجهات، والشمس تشرق في وجهي، والنور يدخل رأسي، فيتضاءل رويداً رويداً، حتى غدا بحجم حبة الحمص.
رقصة الحب
في الجزء الآخر من البلدة، تنتشر الأكواخ الخشبية المتراصة بجانب بعضها البعض، يفصلها عن باقي البلدة، خطٌ ترابي، تعبره العربات المارة بوسط البلدة، الخط الذي كان أيضاً بمثابة الفاصل بين الحياة والموت. في الجزء الذي نقطنه، تعمُّ الحياة، فلدينا مصابيح كهربائية ، كما نملك بيوتاً جميلة ملونة، بينما في الجزء الآخر، توجد فوانيس متناثرة عند مداخل الأكواخ. كنا نخاف الذهاب إلى هناك، حينما كنا صغاراً، ليس بسبب الظلام والحياة الغريبة فقط، فقد سمعت أمي عدة مرات، تتحدث مع جاراتها عن بعض نسوة ينثرن جدائلهن لليل، كلما اكتمل القمر، ويرقصن حافيات الأقدام، عاريةً صدورهن، ويرددن بعض الأهازيج الغريبة، فأصبح لديَّ يقين فرضته عليَّ طفولتي، بأن أولئك النسوة ساحرات.
كبرت، ولم أعد أصدق تلك الشائعات، وأصبح لدي فضول أكثر، لرؤية أولئك النسوة وسماع أهازيجهن، وربما مشاركتهن الرقص. عند اكتمال القمر،كنت قد عزمت أمري على التسلل إلى هناك لأرى، وربما لأرقص. كان الغبار يعلو الرؤوس، بينما يضربن بأرجلهن الحافية الأرض في حركات دائرية، في حلقات متجاورة، وهن ينظرن للسماء. غناؤهن أشبه باحتضار القطط البكماء. تلمع عيونهن في الظلام، فلم أعد أفرّق بينها وبين المصابيح التي أصبح وهجها يخفت. تشتد الريح، فتشاركهن الألواح الخشبية الإحتضار والرقص. تقترب السماء جداً منهن، أو نحن نصعد جداً للسماء؛ لا أعلم. تحت أقدامنا، أنهارٌ من الدم، لقرابين اختلطت أرواحها بالغبار الصاعد للسماء.
عند الفجر يعمُّ الهدوءُ البلدة، فتتوقف النساء عن الحب.
الحلزون
كوثر السروج
تتلوى على جسدها الضئيل،كحلزون خائف من فقدان قوقعته، في انتظار أن تناصفها الحياة شطراً من سعادتها.
كانت ومازالت تتلوى وتنطوي على نفسها، عائمة، تطفو، ولكن الى أين؟
نظرت الى سقف قوقعتها؛ قالت بنظرات يملؤها الاسى على حالها:
-متى ينتهي هذا الجحيم المسمى حياة؟ هذا الروتين المبيد ، وهذه الساعات الطويلة من اللاشيء!
اغمضتْ عينيها راغبة ألا تستيقظ ابداً، راجية من الحياة، أن توافق على إغماءتها الأبدية.
ابتسمت الحياة، همست؛
-تكفيك هذه السعاده يا صغيرتي، لأن خطوات الحلم تتلاشى مثلك ايضاً.
لم تع ما تقصده الحياة، ولم تكترث.
كانت سعيدة بحالتها الجديدة، تشعر بنسمات الهواء، بياض الغيوم، طيور السماء.
صرخت الحياة قائلة:
-مفاجأه!!
لا اعلم ماذا حدث للحلزون، ولكن هناك شيء ما قد دُهس!
لا اعلم هل هو الحلزون أو قلبه! لكني شاهدت بنفسي، استلقاء الحياة، وهي تتشمس.. بيدها مشروب بارد، تقهقه على ماحدث للحلزون.
دموع الشمس
جود الذكير
هكذا كنتُ بعد أن جاءت، أذهب أينما ذهبَت، وألحق بها وكأنّي ظلّها الملتصق. أجوب زوايا بيتي، مثلما كانت تفعل تحت شمس الضحى التي دغدغت أجسادنا. أنظر إلى بيتي بين الحين والآخر، أحاول أن أتفكّر بعظمة القدر الذي أوصلها إلينا. يبدو أنها رأت بيتي بنفس منظوري، لأنه لم يكن كبيراً ولا جميلاً، لكنّه كل ما لدينا، وكان هذا كافياً.
برغم صغر سنّي حيث أنني لم أبلغُ الحادية عشر من عمري، لكنّني أردتُ أن أراها بتمعنٍ شديد. أردتُ أن أفهم قصتها وحبكتها وأفهمُ سبب الحزن الداكن الذي يرتسم على وجهها. في الأوقات التي يبدو الحزن عليها واضحاً، تهشّني بيديها وكأنّني ذبابة مزعجة. أذهبُ أنا، ألحق بطابور النمل الذي يمشي نحو جدار البيت الترابيّ المتقشّر، وأحاول أن أتناسى الفضول الذي يأكل خلايا دماغي. أرفع رأسي للشمس الساطعة وأجعل حرارتها تضمّني إلى صدرها، بعيدًا عن بيتي المهترئ، وبعيدًا عن حزن شمس. أُنزِلَ رأسي لا إراديًا لأتفادى أشعّة الشمس اليافعة، وأنظر إلى قدميّ الصغيرتين العاريتين، وهما تتسابقان للحاق بشمس مرةً أخرى.
سقط شيءٌ صغيرٌ على رأسي، وضحكتُ بخفّةٍ عندما رفعته لأبتسم لشمس، جارتنا المستأجرة الأفغانية. تنظر إليّ من أعلى النخلة، وتتأسف بذعرٍ، وتتوسّل ألّا أشي لأمي موضي. لم تكن سوى تمرة صغيرة، ولم أعرف سبب خوفها من جدتي، حيث أنها لم توبّخ شمس حتى الآن. خرجَت أمي موضي إلى الحوش، وأقبلَت نحونا أنا وشمس.
”السلام عليكم أمي موضي،“ قلتُ لها وأنا ألهث.
ربتتْ على رأسي، وأخذت تمشي بعصاها نحو شمس، تنظر إليها بتفحصٍ من الأسفل، بنظّاراتها الطبيّة السميكة. بدأ التوتّر يجتاح وجه جارتنا فورما رأت أمي موضي، ونزلَت من أعلى النخلة كي تواجه مصيرها الذي تخشاه. لا أدرك ما تخشاه، ولا أعلم العقاب الذي تتوقعه من أمي موضي، لكنّه يبدو أنه من أكبر كوابيسها.
”سلام عليكم ماما موضي،“ قالت شمس بلهجتها العربية الممتزجة بالفارسية.
أومأت أمي موضي برأسها، والتفتت نحوي. ”فهد، اذهب واحضِر لي كرسي.“
”حاضر،“ قلت لها بتلعثم.
جلست أمي موضي على الكرسي البلاستيكي وأخذت تشير نحو شمس لتكمل ما بدأت. بتوتّرٍ واضح، تسلّقت شمس النخلة لتكمل جني التمر.
”مسكينة،“ قالت أمي موضي بصوت خافت وهي تعدّل قطعة القماش الملتفّة حول رأسها. اعتادت أن تضعها على رأسها من شدة وقارها، بالرغم أنّ البيت خالٍ من الغرباء.
”مَن المسكينة؟“ قلتُ لها باستفهام.
رمقتني بنظرةٍ من تحت نظّاراتها السّميكة، وابتعدتُ منها لأنها أثارت فيّ الرعب.
”شمس المسكينة، يا فهد. يعني مين؟“
التفتَت جدتي نحو شمس مرةً أخرى، وأكملَت اليوم وهي تنظر إليها. أحسست بشمس تعتدل بوقفتِها عندما مشت نحو أمي موضي. لم تكن تعابير وجهها مرتاحة تمامًا، لكنّها حاولت أن تخفي الخوف الذي تشعُرُ به تجاه جدتي.
”هل انتهيتِ؟“ قالت أمي موضي.
أومأت شمس برأسها، وضمّت السلّة الممتلئة بالتمر إلى صدرها.
"هل تريدين شيئًا آخَر؟“ قالت أمي موضي.
”شكرًا،“ همست شمس.
أومأت أمي موضي برأسها مرةً أخرى، وطلبت منها الجلوس معنا. أحمرّ وجه شمس من الخجل، لكن بعد إصرار أمي موضي لها، جلست بهزيمة.
”حدّثني أبو صالح القليل عنكِ، لكنّني أريد أن أسمع قصّتكِ منكِ أنتِ. أين زوجكِ، ولِمَ ترككِ تسافرين إلى هُنا مع أبنائكِ من دونه؟“ سألت جدتي، ثم استطردت بسخرية، ”هل أنتِ زوجة ثانية لأبي صالح؟“
أحسستُ وقتها أنها قد أثقلت بالأسئلة على شمس، وكنتُ أخجل لأمي موضي ولفضولها الذي قد فاق فضولي وقُدرتي على استنتاج الأفكار المتعلقة بشمس.
بعد دقائق طويلة مضت ونحن نحاول أن نترجم لشمس ما قالته أمي موضي بحركات أيدينا، فَهِمَت شمس السؤال.
أخذت نفسًا عميقًا، ودقائق صمتٍ لتجمع أفكارها. ”ماما، بابا 'مرده.'“
عقدنا حاجبيْنا أنا وجدتي على الكلمة الفارسية التي قالتها، وأخذت تشير حول رقبتها، تحرك يدها باتجاهٍ أفقي، مترجمةً لكلمتِها أنّهما قد قتلا.
هزّت أمي موضي رأسها بأسف، ودعت شمس لتكمل حديثها. رفعت يدها لتُرينا خاتم زواجها؛ اتّضح أن زوجها قد قتل أيضًا، ولكن قبل حفل زفافهما بثلاثة أسابيع…تاركًا شمس بين أحضان والديها اللذين قتلا بعدها بشهرين فقط.
”روسي 'كشتن' ماما، بابا، أمير…“ قالت شمس وسط دموعها الساخنة.
عرفتُ بعدها، رغم كلمات شمس المبعثرة والعشوائية، أنها في الحادية والعشرين من عمرها، وأن أباها كان تاجرًا مشهورًا في كابل، وكانت شمس تعيش في نعيمٍ وترف…وفجأة وفي يومٍ وليلة، انقلب حالهم رأسًا على عقب.
مهمة إيجاد الأستاذ عبدالعزيز (أبو صالح) المقيم في الرياض كانت شبه مستحيلة…حيث أنه لم يزر كابل قط، ولم تعرفه شمس سوى من محادثات متقطعة جرت بين أمها وأبيها في الحين والآخر. بين صراع الحزن على فقد أهلها ومسؤوليتها الجديدة على أخويها الفتية، حاربت شمس بكل ما لديها من أمل، فقط لتصل إلى مأوىً آمن، مرتبط بأملها على قدرة الأستاذ عبدالعزيز، رفيق والدها بالتجارة، على كفالتها وأخويها لتقيم في الرياض.
متشبثة بحبال الآمال شمس…تدعو الله الذي لم تعرفه إلا بعد أن تمزّقت حياتها إلى قطع حتى بقي منها الفتات. وها هي الآن، تجمع ما تبقى لحياتها من قطع.
التفتُّ نحو أمي موضي، ولم أجدُ سوى نظرة حزن طبعت على وجهها. عرفتُ وقتها أنه لم يكن بوسع أمي موضي مساندة شمس على مصيبتها سوى أنها تنظر إليها بمواساة…وعرفتُ أيضًا أن لدى شمس قابلية عجيبة على التحكّم بالشمس ذاتها! فما إن ذرفت دموعها على كمِّ قميصها، إلا وقد وجدتُ السماء تزداد سوادًا مع كلّ غمضة عين.
لم تكن شمس وعائلتها المستأجرين الذين تخيّلتهم أمي موضي؛ فوقتَما عرضت الطابق العلوي من بيتنا للإيجار لقلّ دخل والدي الماديّ، تخيّلت أمي موضي أن من سيَعيش في منزلنا سيكون ضيفًا خفيفًا وليس محمّلًا بالأحزان كشمس.
بعدما أخذنا أدوارنا في التحاور بين بعضنا البعض بلغة الإشارة، رفعت رأسي للسماء ووجدتها تشرق من جديد، وعندما التفتُّ نحو شمس، لاحظت توهّج وجهها وهي تنظر إلى كوب الشاي الذي حملته أمي موضي.
شعرت أمي موضي بتحديق شمس لها، وبتلقائيّة، نظرت إلى كوبها.
”هل تريدين بعضًا من الشاي؟“ تلعثمت أمي موضي وهي تشير إلى كوب الشاي.
هزّت شمس رأسها نافية، ومدّت يدها لتأخذ الكوب الخالي من يد أمي موضي المتجعدة. نظرت أمي موضي إلى شمس بنفس الفضول الذي ارتسم على وجهها قبل أن تعرف قصتها. وقفت شمس على رجليها، ورفعت الكوب إلى السماء…لوهلة ظننت أنها ستظل على هذا الحال لفترة، ولكن أرعبني صوت الزجاج وهو يتحطم على الأرض. نظرت أمي موضي إليها باندهاش، ولولا نظراتها المصدومة لشمس، لضحكتُ بلا اهتمام.
كانت لحظة صمت طويلة، وخشيت من ردة فعل أمي موضي. حدقت شمس فينا؛ عينيها مستيقظة وبعيدةً تمام البعد عمّا كانت من قبل…ضحكت بقوة مفعمة بالحياة، وأحسستُ بأن الدنيا ابتهجت باللون الأصفر من بعدها. لفترة وجيزة بعد أن تداركت ما فعلت، عاد الجليد لعينيها، وتأسفت ببرود لأمي موضي.
”ما الذي فعلته؟“ قالت أمي موضي بنبرة حادة.
الغريب أنها لم تصرخ، لم تقفز من مقعدها، ولم تهش شمس بعصاها كما لو كنتُ أنا الذي كسرت الكوب.
”ممكن 'حفظ كردن'؟“ قالت وهي تجمع ما تبقى من الكوب وبقاياه.
عقدت أمي موضي حاجبيها، وأشارت شمس بالقطع إلى قلبها، مترجمة قولها بأنها تريد أن تحتفظ بالكوب المتكسر.
هزت أمي موضي رأسها،”أنتِ التي كسرتيه، لن يحتفظ به أحدغيركِ.“
وبمعجزةٍ ما، فهمت شمس ما قالته جدتي، وأومأت برأسِها، بعد أن تمتمت كلمات من الشكر والتبجيل.
سحبتني أمي موضي من كمِّ ثوبي بعد أن مشت شمس بفرحٍ إلى شقتها في الطابق العلوي.
”فهد، الحق بها.“
وقفتُ من جلستي على الأرض، وبخطواتٍ خفيفة وسريعة، تمكنتُ من اللحاق بشمس من دون أن تشعر بي.
وجدتها تبحث في خزائن المطبخ بهمجية وكأنها كلبٌ مسعور…تترك الأبواب مفتوحة خلفها، وتبحث وكأنّ أملها معلق بالشيء الذي تبحث عنه. لوهلة ظننتُ أنها تبحث عن ترياق لِداء لا علاج له من شدة حماسها، ولكنها التفتت نحوي، وأخذتُ خطوة إلى الوراء خوفًا من النظرة القاتلة التي صوبتها تجاهي.
”فهد؟“ قالت بنبرة مخيفة.
جفّ ريقي خوفًا منها. اعتزمتُ فكرة الهروب، لكنها اقتربت مني حتى تسمّرت في مكاني.
”'موم،' فهد…فيه، 'موم'؟“ قالت بصوتٍ خافت وبين كلمات متقطّعة.
مال رأسي تلقائيًا. عبست شمس وتأفّفت على قلّ استيعابي. فتّشت المطبخ بعينيها وكأنما كانت رادار ما، حتى سقطت عينيها على دفتر أمي الصغير والقلم الذي استلقى بجانبه. بين غمضة عين وانتباهتها، وجدتُ شمس تخربش على الورقة بسرعة قياسية. رفعَت الدفتر لأنظر إلى ما رسمته ولم أجد سوى رسمة خلية نحل.
أومأت برأسي، شعور الفخر يجتاح قلبي حيث أنني وأخيرًا فهمت ما تقصد. توجّهتُ نحو الخزانة حتى أخرجت جرّة عسل. هزت شمس رأسها بنفاذ صبر، وخربشت رسمة أخرى. رفعتها إليّ ونظرت إليها بتمعنٍ حتى استوعبت أنها ليست سوى شمعة.
ضحكت بخفة، وركضتُ إلى غرفة أمي وأبي حتى أحضرت لها شمعة بيضاء اللون. ضحكت إليّ حتى عادت نظرة الحياة إلى وجهها. حدّقت في وجهها وهي تشعل الشمعة بكبريت أخرجته من درج المطبخ. نظرتُ إلى الشمعة وهي تحترق، تذوب لأعماقها وتنبثق رائحتها إلى سقف بيتي.
التفتُّ إلى شمس ووجدتها تفتح صندوق ألوان مائية، يبدو أنني لم أشعر بها تذهب إلى شقتها وتعود بشيء معها.
صبّت القليل من الشمع والصمغ على اللون الذهبي الذي وضعته على غطاء صندوقها. مزجته بسرعة غير واقعية حتى اختلط الشمع والصمغ باللون الذهبي. أخذت تلصق الكوب بمزيجها الغريب، وبتُّ أنظر إليها بعدم تصديق.
”ماذا تفعلين؟“
بدأ يعود الكوب إلى هيأته الأولى لكن ازداد جماله بطريقةٍ ما.
”كانت هذه هوايتي الوحيدة عندما كنتُ في أفغانستان، أكسّر الصحون والأكواب وأعيدها إلى هيأتها الأولى باستخدام ذهبٍ مصهور. علمني إياها أبي بعد أن جاء من الصين. لكن ما من ذهبٍ بعد الآن، وعليّ البحث عن بديل له. يبدو أنني سأستخدم هذه الطريقة.“
حدّقت اليها غير مصدقاُ.”أتستطيعين التحدث بالعربية؟“
أومأت برأسها وابتسمت رغم الدموع التي ملأت عينيها. نظرتُ إلى السماء من نافذة المطبخ ووجدتها ما بين السطوع والظلام…تمامًا مثلما كانت؛ تبتسم رغم الدموع. أخذَت نفسًا طويلًا بعد أن تنهدت ”لم آتِ من عائلة فقيرة، يا فهد. علّمتني أمي العربية والفارسية والقليل من الإنجليزية…فعائلة مثل عائلتي لا ترضى بما هو عادي. لكنني أردت أن أتواصل معكم كما لو تواصلت مع أي شخصٍ في كابل. لا أريد أن أنسى هويتي بسبب توحش جنود قرروا تدمير وطني. لا أريد أن أنسى من أكون ومن أنا ومن أين أتيت. أريد أن أتعايش معكم بطريقة تجعلنا نبذل نفس المجهود كي نتأقلم سويًا.“
أصدرتُ صوتًا خفيفًا من فمي أشبه بالضحكة، ”ولِمَ تحبين تخريب الأشياء ثم إصلاحها مرة أخرى؟“
”أيبدو هذا الكوب مثلما كان قبل أن أكسره؟“
”لا، بل أجمل بطريقةٍ ما.“
أومأت برأسها مبتسمة، ”هذه هي الفكرة، أن تجمع القطع المتكسرة وتلحمها ببعض، بذهبٍ مصهور، كأرواحنا المنكسرة.
الجوهرة الغيلان
أدركت أن ديسمبر قد أعلن قدومه، حينما شعرت بصقيعه يقرصني، قبل أن أنظر إلى التاريخ حتى. كان كُل شيءٍ هادئ في ديسمبر، حتى وإن لم يكن. كانت الطرقات حالمة، حتى حينما تكون في أُوج زحامها. وحتى لعب الأطفال، الذي لطالما كنا نراه ضجيجاً في حيّنا، أصبح ملائكيًا ولطيفًا. يبدو أنها فعلاً معجزة الشهر، أو كما يقولون.
بشكل ما، معطفي الصوفي الثقيل الذي استعرته من أخي، أصبح كخرقة. وجهي محتقنٌ باحمرار، ويداي ترتجفان، حتى وهما مضمومتان لجانبي. رفرفتهما، علي أحرك بعضًا من دمي إليهما ويدفئان، ثم شددت علىَّ قبعتي الصوفية، حين نزلت لأحضر ذاك الصندوق المهترئ من تحت الطاولة البلاستيكية.
-"أأصلحت ساعتي بعد؟"
صرخ طفلٌ من على الجانب الآخر من الرصيف، رافعاً يده ملوحاً، ليشدَّ اهتمامي إليه، كأن صوته المستفز لم يكن يكفي.
-"أخبرتك أن تأتي بعد ثلاثة أيام. أَمَرّت ثلاثةُ أيامٍ بعد؟"
أنزل ذراعه، ورمقني بنظرة، لطالما كنت المستقبل لها. تلك النظرة التي تقطر مالاً مع كل رمشة، وأتى مهرولاً لطاولتي البالية. حذاؤه الجلدي يطرق على الإسفلت الذي كان يفصل بيننا.
-"لقد دفعت لكَ الضعف." قال مشيراً لي بسبابته، رافعاً حاجباً من بين غرته المسطرة على جبينه.
-"حسنًا. اسمع يا فتى، لا أهتم كم دفعت ولا كم تملك." دفعت كتفه بخفة، وتراجع بضع خطواتٍ للوراء. "لدي عملٌ لأنهيه."
-"خالتي ستغضب إن رأتك هنا."
-"إذاً؟"
-"ماذا إن أخبرتها بما تفعل؟"
ارتحلت قشعريرة من ظهري لأخمص قدمي، وهذه المرة لم تكن بسبب الطقس.
-"لن تفعلها." ابتسمت له وأخرجت ساعته الحمراء من الصندوق لألمعها بكمي. "سأموت إن أجبرتني على الذهاب لدروس البيانو مجدداً."
-"هذا أن لم تمت عندما تعرف ما تفعله بدلاً من دروس البيانو المقيتة." صمت لوهلة، وأخذ ساعته ليتأكد من أنها صلحت. "لسنا جميعاً قادرين على فعل ما نُريد."
لبس الساعة وحاول إحكامها لعدة ثوان دون جدوى. بدأ الناس حولنا يخرجون من بيوتهم وأصابني الذعر مجدداً.
"تعال هُنا." قربته إلي لأساعده.
"لا يُمكن لأحد أن يرانا معًا وإلى سيصلهم الخبر، ارحل الآن!"
ابتسم الصغير ابتسامةً عريضة، بينما هو يتراجع بخطواتٍ حَذرة، شيء من مَرح الطفولة يلمع في عينيه.
"سيكون رائعاً لو حَصل. تخيل الأخبار: ابن العمدة يُصلح الساعات على طاولة بالية في وقت فراغه، وخالته تهدد بالقتل".
فاطمة البقمي
خان يا ما خان
المدّعي: حضرة القاضي، صدعٌ يمتدُّ من قمةِ رأسي إلى أطراف قلبي المكلوم ، إليَّ منكَ بحكمٍ يضَمِّدُ شِقَّيَّ قبل أن ينفلجا.
القاضي: مالك؟! ألا تشدُّ طرفيكَ بعضهما إلى بعض وتخبرني؛ ما دعواك؟
المدَّعي: خيانة، خيانة ذات مساءٍ أوهنتْ جسدي حتى ذاب. ذلك المصباح قد مدَّ خيوطَ نوره بسخاءٍ للغرفة المجاورة، بدلَ أنْ يضيء غرفتي، أما تراه يخون؟
الشهود: يا حضرة القاضي، مصباحه بريء، هو من أسقطَهُ في دربه حين تعثّر،حتى تمدّدَ رأسُه المتقدُّ على عتبة الغرفة الأخرى ليضيئها مرغماً، ذلك بعد أن أغوتْهُ تلكَ الشمعةُ بوميضٍ هزيل، لم يدُمْ طويلاً حتى انطفأَ.
تراجيديا
استمرَ العرضُ في مسرح الجريمة؛ المجرمُ ثابت، الشخصياتُ تتبدل، والجمهورُ نيام.
أقرب الغرباء
تصطفُّ دوماً في صالة استقبال القادمين من السفر، تترقبُ بلهفةٍ بينما يمرون، تلوّحُ لهم تلويحات مريبة، يتوجسون من تبسمها لهم، تبدو كمن يعرفهم، بل تبدو كمن ينتظرهم منذ زمن، تنغمسُ في تأدية طقوس استبشارها حتى يغادرَ آخرُ قادمٍ مع منتظريه، فتعود لمنزلها محملة بمَ قد يتصدّى لوحدتها حتى استقبال آخر. ظلت تمارس هذه العادةَ، حتى أربكها يوماً وجودُ إحداهنَّ بعد ذهاب الجميع، تلوح للفراغ وتحتفي بالعدم. في تلك الليلة، لم تغادر المكانَ حتى امتلأتْ الصالةُ بضيوفٍ آخرين، ثم ذابتْ في الزحام.
رضى وراثي
أُنهِكَتْ سماعةُ الهاتف لساعات طِوال، بغُثَاء قلبها الذي يعْبرُ بحرقةٍ عبرَ أسلاكٍ تُشَوِّش جُلَّ شكواها للأم التي تردُّ في نهاية المكالمة بنفس ردّها في كل مرة، وبقلّة حيلةٍ:
-ضعي كلامي هذا "حلقة في أذنك"؛ كلهم سواء! أصابع يدكِ لا فرق بينها سوى تباين أطوالها.
كلما التهبَ قلبُها ،كبرتْ تلكَ الحلقةُ لتسكنَه، حتى أثقلتْ رأسها، ولم ترفعه منذ ذلك الحين.
مشتبهٌ به
وجدوا الحبلَ مشنوقاً،
حين أقنعوه أن كلَّ المنتحرين، ما هم إلا ضحاياه.
لم ينجُ
كلُّ من يذهب مع خراز الأحذية المسن، خلفَ تلك التلّة لا ينجو. يتجاهل أهلُ الوادي ما يحدثُ هناك دوماً، فما إن يلوِّح بيده المرتعشةِ وبعينيه المغشيتين ليدعو أحداً لبيته؛ بحجة أنه لا يستطيع بلوغ الرفّ العلوي، الذي تركنُ فوقَهُ عدّةُ الخرازة، حتى تبدأ رقصةُ الموت على نغم الخوف والظلمة والسكون، من بيته الخَرِب إلى التلّة؛ مقاومة، فصراخ محاصر، فحشرجةُ مخنوق، ثم يخرج العجوزُ بوجهه الوقور، بعد أن ينتهي، وبيديه صحنٌ عميق ينضح بدمٍ ساخن، ليسكبه فوق دماءٍ باردة راكدة، ترجع لثلّة من أهل الوادي.
في ذلك اليوم، أطلَّ ظلٌّ قصير شوهدَ ذاهباً لبيت الخراز، فخرج منه حاملاً كيسَ قمح، ترفس فيه كتلةٌ حية، جرَّها على الأرض، وتوارى خلفَ التلّة. لا مقاومة هذه المرة، لا صراخ، ولا حشرجة. باستسلام أهل القرية المعتاد، يغادر الظلُّ وصاحبُهُ الوادي، حاملاً سطل الدماء بيد، وعدَّة الخرازة بيده الأخرى.
مهبط الفردوس
نزلَ من الجنة، بعد أن أذِنَ اللهُ له، بأن يتفقدَ حالَ أبنائه في الأرض، فما عاد إليها قط.
عيش مؤقت
حين تمّ خلق القلوب، عرفت طريقها إلى صدور الناس، مشت مثل طابور الأطفال لتدسّ نفسها في مخادعها بين الضلوع. صدرٌ واحد بقي مشرعاً، مفتوح البوابتين، معرضاً للجراثيم و الميكروبات و الأتربة و الغبار و التيبس و الجفاف و الصدأ.
قضى مجلس الأدمغة بالسماح لقفل المستودع أن يُفتح، وُقّعت ورقة الشروع في جرد قطع غيار الأفئدة، كانت تليدةً تالفةً و مطفأة؛ أحدثُ دفعة هي القادمة قبل شتائين.
"القلوب تأتي من المصانع نفسها منذ عقود" همهم صوت الحل.." من النعمة أنه لم يكن رأساً مفتوحا"!
اقتطعوا من كل القلوب التالفة زواياها النابضة وإنْ نتنة، أجزاءها السليمة المتهالكة. قلوب فائقة لجموع هائلة فاحشة التباين، من أزمان مختلفة، و لطبقات متعددة، بظروف معقدة وأسرار داخلها كثيرة كثيرة، منحوتة بالرموز. مزَق صغيرة من هذه الجبال القلبيّة العظيمة، خَلقتْ وصنعتْ الفؤاد المنقِذ.. الفؤاد الفذّ.. الفؤاد المكتمل الحيّ من بقايا قلوب الموتى، وأودع في صدره.
لم يكن ليعبأ بألوانه المرقعة، و زوائد الخيوط المتناثرة من الشرايين والأوردة التي لم تقص باحتراف، المضخة تعمل، تزوّد الجسد بشيء كما لو أنه أوصل بالتيار الكهربائي، شيء يجعله ينطق ويرد ويرى ويسمع ويفهم، ويحسّ.. نعم يحسّ، إنه يعيش الآن، إنه حيّ.. وكفى.
لمّا شرعت مظاهره الحياتية تتفتق، وبدأ يتلمّس الحياة، يتعرف على العيش، كما تتعرف صغار الغزلان بعد التأرجح على الوقوف، ضايقته حكة في فؤاده، حساسية أليمة تُذهب كل طاقته، يخلع ملابسه يعرّض صدره للأسطح الحارة، للجليد، للترطيب البارد، يستحم، يحك بأظفاره يقرص مواطن الوخز، يحك بالسكين.. لكن هذه الجحيم الغاضبة في داخله لم تكن لتهدأ.
أراد أن يستشير طبيباً، وما أن استخرج القلبَ المغمّس بالعفونة من صدره، حتى نزّت أصوات وحركات مستقذرة من عين الطبيب وفمه، أحسّ بالحرج و المسكنة و الظلم.
"إنه ليس لي!"
ضاقت عينا الطبيب، مستفهمتين: عفواً ؟
"القلب.. ليس قلبي أنا.. تجميع من المستودع.. الحقيقة أنهم بالكاد أقروا فتح المستودع، نفدت القلوب في ذلك اليوم، فاضطروا لاتخاذ قرار عاجل، أنشئ من البقايا الصالحة.. يقولون أنها عملية آمنة وغير ضارة، على اعتبار جميع الأفئدة تحاك من خامة صلدة، و تحشى بنفس المادة الصلبة من قرون، أخطأوا على ما يبدو؟ أو أن خللاً كان في الإحلال؟ ربما.. لكنني لا أعرف، أعرف أنني أتألم كثيراً يا دكتور.. أشعر أنني سأموت مع كل نفَس، وأن روحي تنفذ داخل معقد إبرة في كل زفير، وأن هذه المدية هذه الشفرة الحادة تستلني و تغرز أعضائي.. أحس أن فأساً هائلة تضرب أضلاعي وتكسرها كل لحظة.. أحس أن منجلاً يحصدني.. والحكة يا دكتور.. الحكة تنهشني، الحكة تقول حروفاً كثيرة لا أفهمها.. تضرب جدران صدريي كما لو أنني أحبس بريئاً داخلي، أحس بها.. هذه الرائحة مؤذية جداً، أنا آسف يا دكتور، لكنه ليس قلبي.. لا أريد أن أشم.. لا أريد أن أحس.. إنه ليس قلبي، أرجوك تخلص منه يا دكتور.. إنه ليس قلبي."
أحكم الطبيب إبهامه وسبابته على أنفه، قبض بيسراه القلب المتعفن، وبدفعة نزقة هائلة، قذفه في الصدر، في مأتم شجي من النحيب، ثم همس فاقداً الحيلة: عش به مؤقتاً.
حياة
لم أفهم شيئاً من رطانته، حين ناولني ورقة صعود القطار. أتردد بنظري بين ممراته وحروف الفرنسية ، كي ألتقط كلمة ذات معنى. أتشبث بأحد الأعمدة حتى يتوفر لي كرسي شاغر وأتأمل الوجوه التائهة الملولة أو الغارقة في حديث حميم، يشتتني مشي إحداهن تقطع الممر برشاقة و التفاتات متتالية.
"أزعجتنا هالعبدة"! يهتف زوجي بصوت ضجر مسموع، فهناك حاجز اللغة الشفاف.
"اششش"، يغوص قلبي في الداخل.
تقترب متوجهة إلى شاب يفترش الأرض منكب إلى جهازه.."زكريا"، بصوتها الحازم. أعبس في وجه زوجي مستاءة، يغرق في ضحكه ويلتفت.
يرد عليها زكريا دون أن يرفع رأسه، يمر شرطي، فتسير لآخر المقطورة، يختفي فتظهر. يتكرر مرور الشرطي ويتبادل مع زكريا بضع جمل مقتضبة ثم يمد له ورقة بازدراء، زكريا لا يكلف نفسه حتى عناء النظر، يمد إحدى يديه بينما الأخرى تكمل بحماسة لعبته على الجهاز.
تأتي غاضبة: "زكريا كيف تسمح له؟!" لهجتها خليط بين الحجازية و اللبنانية. تنتبه لنظراتي الفاضحة وتبتسم، تجد مقعداً و تدعوني للجلوس.
أسميتُها "حياة"، بعد عشر دقائق من الحديث، هي مدة لقائنا الأبدي.
لم أسأل عن اسمها، نسيت ببساطة أمام وهج حديثها المتلاحق، و"شو يعني اسامينا؟ عينينا هي أسامينا."
قدمَت من أثيوبيا و تعيش في باريس، بعد سلسلة من المقام في عواصم أوروبية مختلفة، سبقتها بيروت كأولى المحطات. تتنقل مع ابنتيها بعد انفصالها عن زوجها، مهاجرة غير شرعية في غالب الدول التي زارتها، إيطاليا و إسبانيا بتعبيرها هما الأسوأ، فالشرطة قاسية لا تتردد في الضرب و الركل، الوضع أفضل في فرنسا، بعد أن لجأت إلى مهتمّ بقضايا الإنسان، آواها إلى منزله حتى وجدت عملاً، كانت قد عمدت قبل ذلك لحرق جلد أصابعها أكثر من مرة لتغيير بصماتها و التسلل للمكان الذي أرادته.
لا يوجد أي دراما في سردها لحكايتها، تسخر و تضحك بصوت عالٍ، تقطع حديثها تحية من هنا وقهقهة من هناك.
أختها مؤمنة -بتعبيرها- تعمل في السعودية، تشير إلى وشاحها المليء بالألوان و المعقود بحقيبتها، (هذا حجابي، أنا أيضا مؤمنة لكني أحب الحياة)، تقولها بضحكة عذبة مليئة بكل معاني الحياة.
تقاطعنا مجموعة شبان و فتيات يتبادلون الجدل بالفرنسية، يغضبون و يضحكون، تلكز "حياة" زكريا الذي يبدو أنه لا يريد أن يتزحزح عن مكانه، يرفع بصره بكسل و يمد ذراعيه بتثاقل، فيما شردتُ بعيداً، حيث استطعت أن أرى أينا فعلياً "العبيد".
عبدالرحمن العمراني
البالون
في فناء الحرم الجامعي، وفي ركن قصيّ، كانت الفتيات الأربع يحتفلن بيوم الأمنيات، أحضرت إحداهن أربع بالونات.
وبأنفاس متقطعة أخذت كل واحدة تنفخ بالوناً، ثم كتبت عليه أمنياتها وأحلامها المسكونة بالأمل.
-نوف.. " أتمنى أتزوج هذه السنة ".
-عبير.. كتبت باللون الأحمر على بالونٍ أبيض "أحبك موت يا سعود".
-أريج.. " يا ليت أتوظف بعد التخرج ".
-أما أحلام.. فتركت البالون فارغاً، ولم تكتب شيئاً.
انطلقت البالونات هائمة..
وفي السماء، كانت تحلق بعيداً بعيداً في الهواء.
درس مُهم
في درس يوم الأربعاء، كان مُعلم مادة الجغرافيا "جارالله" يشرح لنا: لماذا وضِعَت الحدود؟ وكيف اختلقت الجغرافيا؟ فأصبحنا نحفظ خطوط الطول والعرض، ونرسم الخرائط العربية. قال كلامًا كثيرًا في الدرس، وآخر خارج الدرس. انتهت حصة الجغرافيا، ولم ينتهِ الدرس!
سُعار
في المستشفى، كان يصرخ بشدة، جراء عضة كلبٍ أسود مسعور، كما يدّعي، هاجمه بغتة أمام منزله. وبينما كان الطبيب العربي يخفف من آلامه، و يكتب له حقنة تحدُّ من انتشار السُمّ في جسده الغضّ، كانت زوجته تقف بالقرب منه، تخفي إبتسامةً ساخرة، خلف نقابها الأسود!
الجلاد
كنا نعرف أن اليوم هو موعد حضورهم، في المكان والوقت نفسه، في ساعة الضحى، ولكن الوجوه التي ستأتي هذا المرة تختلف عن كل مرة. "السوق الجديد" الذي تتلاصق فيه محلات الأقمشة النسائية والخياطة الرجالية والعطارة، سوف يتحول في لحظات إلى كومة من البشر المتجمهرين والمتسكعين، الذين يحتشدون كلما حدث أمر طارئ يقطع صفو حركة السوق.
الحافلة التي تقل المساجين تبدو بلا نوافذ، وعلى جانبيها خط أسود، وفي مؤخرتها باب يحرسه جنديان، يحمل كل منهما سلاحًا، يرافقها ثلاث سيارات شرطة. تتوقف الحافلة، وتنتصف في تقاطع الشارع بوسط السوق.
تتوقف حركة السير تماماً، الباعة الوافدون الذين كانوا يقبعون في دكاكينهم مكتوفي الأيدي خرجوا، والقلق يستشعر أبدانهم لمشاهدة الحدث المعتاد، والمتسوقون ونفر من المارة اجتمعوا حول الحافلة كما يتجمع الذباب على النفايات، الجنود يطوقون المكان بشكل دائري، ينزل جندي من الحافلة، وهو ممسك برجل نحيل الجسم، مكبل اليدين والقدمين بالحديد، يكاد يجر خطواته من ثقل السلاسل التي تطوق قدميه، يلف على وجهه معطفًا أحمر كي لا يعرفه أحد، وثوب واسع يغطي جسده، تقدم أربع خطوات، ثم توقف وانحنى برأسه باتجاه الأرض.
يقف بالقرب منه رجل أسمر، بزي عسكري يُطلق عليه "الجلاد". هو الذي يقوم بتنفيذ الأحكام. يحمل عصا طويلة، صنعت من الخيزران، تكاد تصل إلى منتصف طوله، تكهنات الفضوليين تحوم في سماء المكان بصوت مسموع عن جريمة هذا الرجل.
قال أحد الباعة: "هذا أكيد هو اللي سرق محل أبو ريالين قبل شهرين".
يقاطعه رجل طاعن بالسن: "لا لا هذا أكيد هو اللي سرق غنم أبو حسين".
وآخر: "يمكن هذا مظلوم يا ناس".
عبر المذياع الخارجي لسيارة الشرطة، يبدأ الجندي بتلاوة الحكم:
-حكمت المحكمة الكبرى بالمنطقة، بجلد الواقف أمامكم ثمانين جلدة، وذلك لإقدامه على ارتكاب جريمة الزنا والتحرش بالنساء.
"إخْس، إخْس ياكلب"، قالها رجل عجوز بامتعاض.
انتهى الجندي من قراءة الحكم، وبدأ الجلاد بممارسة مهنته المعتادة والتي يتقنها جيداً. العصا تتهاوى على مؤخرة الرجل، وبشكل سريع، والرجل ينتفض ويرتعش من شدة الألم، كمن صعقه تيار كهربائي.
طفل يترقب الحدث بعينين متوجستين، وهو يمسك بيده طرف ثوب والده بشدة، وشيخ محتسب كث اللحية، قصير القامة، ينادي بصوت عالٍ من بين المتجمهرين: "اتعظوا واعتبروا يا عباد الله، اتعظوا واعتبروا".
ومع كل جلدة تتعالى الأصوات: "الله اكبر.. الله أكبر"، والجلاد مازال يضرب بعنف، حتى زادته أصوات المكبرين من حوله حماسًا وشعورًا بالانتصار.
كاد أن يسقط بعد أن انتهى الجلاد من تنفيذ الحكم. الجنود هموا بالرحيل بعد أن اختفت حافلة المساجين في منعطف نهاية السوق الجديد.
تجلى المشهد هادئاً كما كان، وعاد السوق إلى وقاره، بعد أن مضى الباعة إلى دكاكينهم، وانطلق شبح كلماتهم الرخيصة، وعبارات الغزل الشاردة من أفواههم على مسامع النساء العابرة من الشارع، وأعينهم المتلصصة لا تزال تلاحق أجسادهن بشبق .
الشاعر العظيم
فقد لسانه وأصبح يركض في سوق البلدة كالمجنون.
أخبره "بائع المساويك" بأنه رأى زوجته تبيع لسانه لأهل البلدة، نظير الفُتات من الخبز.
في اليوم التالي كان الناس يهتفون في الشوارع والممرات:
ثورة!
ثورة!
ثورة!
تاريخ
الصورة ذات اللون الأبيض والأسود المعلقة على الحائط؛ تملأ بيتَنا نشوة، ويتباهى بها جَدّي، وتتفاخر بها القبيلة، ولما سقط أحد قوائم بروازها الخشبي على الأرض؛
تناثرت جثثهم النتنة،
وغلَّفت رائحة البارود المكان!
عبدالله الباحوث
استيقظت مِن نومٍ كان الفراغ التام عنوانًا له، دون منبهات أو أصوات اعتدت أن أسمعها لكي تقتحم قلعة أحلامي، نهضت من سريري دون أن تصدر النوابض أصوات دهسها مِن الجسم الإنساني، ولم تعلوا أصوات ضرب الأقدام للأرضية الخشبية، كان كل شيءً في غاية الهدوء، كان الصمت سيد المشهد، دفعت باب الحمّام دون أن يصدر ذلك الصرير الذي ينخر فصوص المخ، لم يصدر الماء خريرهُ المعتاد، ولم تصدر فرشاة الأسنان صوتها المعتاد عند ملاقاتها لأسناني وإلقاء التحية اليومية عليها، بدأت بالشك، هل أنا أحلم؟ فبكل هذا التلوث الضوضائي الذي نعيشه يكاد يستحيل حدوث مثلُ هذا الشيء، فكرت لربما اُذناي تلعبان لعبتهما علي، فلقد كنت أسبح مع خيالاتي وأفكاري في الماء، فهززت رأسي يمينًا ويسارًا لكي أخرجَ ما ترسب إلى اذُناي…لا شيء، لا يوجد أي ترسب ولا أي قطرة، هززت رأسي في ارتباك وفكرت لو أن انقطاعي عن الكافيين كان السبب الرئيسي في هذا الشيء، فذهبت إلى المطبخ ذو الرخام الأبيض المنقط بالنُقط السوداء والجِدار الصفراوي الذي كان يجعل القيء أول أفكاري عندما أراه، اقتربت مِن أحد الرفوف التي كانت تحتوي على العِلاج، القهوة المملوءة بالكافيين الذي أحتاجه في هذه اللحظة، كحاجة المدخن لسيجارة عند إقلاعه عن التدخين، فتحت الرف…لا شيء، لاصوتٌ لفتح الرف أو وجود القهوة، واحِدًا تلو الأخرى، بتدرج كتدرج عازف البيانو عندما ينتهي مِن معزوفته، كنت افتح الرفوف كالمجنون، حتى فوجئت بالحقيقة المرّة، أنه لا يوجد العلاج المليء بالكافيين هنا، كدت اُجن، شتمت القهوة بكل الشتائم التي وجدتها في قاموسي، هدأت نفسي قليلًا فقررت قرارًا مثيرًا للاشمئزاز، أن افتح التلفاز، التلفاز المليء بالترهات والسخافات والفن الهابط، التلفاز الذي لم أتكبد العناء مرةً واحدة لكي اتلاعب بجهاز الاستقبال لأجل تشغليه، ضغطت جهاز التحكم، ظهرت لي القنوات، اخترت واحدة على عَجَل، لا شيء أيضًا، سوف أجن لا يوجد أصوات على الإطلاق، قَلَبت القنوات كالذي يُقلب غرفته رأسًا على عَقِب لكي يبحث عن هاتفه، لا يوجد أي صوت على الإطلاق، صرخت، عاد صوت الصرخة لي، إذاً لم تكن أذناي تلعبان بعقلي، جلست أفكر بالأصوات مِن حولنا، أي صوت بسيط هو جزءًا من يومنا، صوت ضرب الحروف بلوحة المفاتيح لكي تطبع الكلمات والجمل على الشاشة، صوت فتح قفل الهاتف، صوت التنبيهات الذي يفرز هرمون الدوبامين لدينا، هل نستطيع العيش دون هذه الأصوات؟ وما حال الموسيقى والأغاني هل تختفي ايضًا؟، كيف كانت الأصوات في حياة الأسبقين، أصوات البشر والدواب فقط، هل كان صوت الإنسان سيد الأصوات؟! كانت كل هذه الأسئلة بدون إجابات، جلست على الوثير واستلقيت، أحلم بكل الأصوات التي فقدتها اليوم، حتى فقدت صوت افكاري.
قصتان
عيسى نهاري
سميرة
طفقا يخصفان ما يواري هروبهما، فاستقرت بقرية نائية عن الأخريات، يلمح القادم هدوءها وسمت أهلها، بيد أن بين أزقتها تتشعّب أدغال الحكي والغيبة، وتحوم روائح النميمة وبواعث الحقد، وكأن بني آدم لم يفطروا على المودة والسلام. وبينما وهي قادمة كسحابة مثقلة بالغيث والكلام، تسمرت عيناها أمام البحيرة المحاذية للقرية التي ارتمت بجانبها خرق متباينة الألوان، وفِي وسطها شكّلت الفتيات دائرة كبيرة. وكزائرة جديدة تود التكيّف سريعاً، اندلقت بخفة، مستفتحة الرقص بجسدٍ تقاسمته الطبيعة الهائلة، الماء من الأسفل يبارك عفتها، والريح ترج جسدها البض، والشمس عموديةً، تضفي الذهبية على ملامحها الدقيقة، تتمايل كنخلة استسلمت لأعتي العواصف، وعلى إيقاع الطبول التي تؤجج نيران النشوة، تبدأ الدائرة بالتلاشي، وكل ما يمكن رؤيته، كومة عصي متأرجحة، تتهادى على وقع أهازيج متوارثة منذ القدم، وما إن يتراءى لها الشفق؛ ارتدت جلبابها الأنيق، ساريةً على أرض رطبة معشبة، على جنباتها التفّتْ نباتاتُ الكادي والفل، تقطفها برفق وأناة، خشية العودة بكفين مجرحين، واضعة ما استخلصته بين صدرها المكتنز، ومكملة الطريق إلى بيتها الجديد، لتنغمس بغموضها المحتم.
لم يرها الآخرون إلا فتاة شبقة لاهثة، فمنذ قدومها وجد أهل القرية "سميرة"، مادةً للتنقيب عن كائن جديدٍ، حلَّ عليهم دونما استئذان. أذكر أن جارتنا العجوز "فاطمة"، أصرّتْ على أنها ابنة لأحد رجال القرية المنفيين، ومضت تستطرد بأن أباها فارس شهم، قاتل لأجل هذه الأرض بضراوة، ولكن سرعان ما نُفيَ، بسبب فعلة كان نتاجها هذه الفتاة.. وهنا عارضها نساءُ القرية اللواتي قلنَ أنها مجرد فاسقة تريد الإيقاع بأبنائهن!
ظلت الحكايا تنهش جسدها، وتتواتر القصص حول الليالي الحمراء التي يحفل بها منزلها، إذ قيل أنها تستضيف رجالا من خارج القرية، ليسمروا ويرقصوا إلى أن يجن الليل ويهدأ صخب الحياة، فينسلّونَ متوارين عن الأنظار! ووسط هذه الحكايات، يجدر الاعتراف بأن أحاديث النسوة تصنع الفارق، لا سيما مهامساتهنَّ لأزواجهن المحمّلة بأحكام قطعية وحاسمة.
...
وإن تخاذلت أقدام البشر وعقولهم؛ فإن أقدام الزمن تعدو، فمعظم كبار القرية استوطنوا اللحود، مورثين أبناءهم خرافاتهم وشكوكهم المعهودة، ما اختلفَ أن الوقارَ استحال إلى مظاهر طيش وعته، أثقلتْ كاهل البسطاء المسالمين في القرية.
وحدها تلة، رغم ما أحدثه الزمن من تجاعيد وحدبات، إلا أنها ظلّتْ مخضرةً، تناغي من يقف بجوارها، وتعبق بروائح البعيثران المنعشة. بقيتْ التلة، شاهدة على بقائهم.
...
يتربصون بها، وهي في عزلة عن الحديث، متمنية أن ينطبق الكون عليها، آخذاً الله روحها؛ بيد أن في الصباح طرأ ساكن جديد على القرية، فقام كبارها بالترحيب به كعادتهم، وحتى لا تعيب القرى المجاورة عليهم. انقضت الولائم، وانتهى الترحيب بانقضاء النهار، ولكنَّ قلباً بات يرتعد، وكأنه سينسل عن مكانه.
وعلى حين غرة، عند الشجرة الوارفة الظلال، والقمر بضيائه الخافت يمسك زمام الموقف، فاجأها ببيتها، وهي تضفر شعرها المترامي على قوام جسدها الممشوق، فتجمّدتْ ذهولاً، فهي لم تعتده شجاعاً لهذا الحد.
-إلى متى نظل متفرقين، لعلهم قد تناسونا!
-وماذا لو انتشر خبرُ اختبائنا بهذه القرية؟
وككماشةِ صيدٍ، فتح صدره، فاستسلمت له في عناق طويل، امتزج بنسائمها الملتهبة، وبشوقه المتوقد، وسارا على حشائش فنائها مزهوين، وقد أضنتهما عقول أثقلتها تفاصيل الماضي البعيد.. تصليهما لوعاتُ البعد، وهما يحدقان بالنجمات اللامعات التي تتجاور بسكينة. عندها، استلقيا وتخيلا جسديهما يستحيلان نجمتين.
في خضم عجاج الحكي والنمائم ومهامسات الليالي، تململ الطائشون تلك الليلة، وتناهت أصوات الكلاب والذئاب إلى أقاصي القرية، ولاح بالسماء عاصفٌ مقبل. وبعد أن فرغ الحبيب لوعته، منصتاً إلى طقطقات البيوت المجاورة، ولى مسرعاً إلى عشته المؤقتة، جالساً القرفصاء، يرتعش مذعوراً من مآل الحرقة التي أطفأها.
-سميرة تقبله فجراً؟!
-ظلُّ رَجُلٍ يواري منزلها؟!
وبينما تغزوهم ملامح الهياج، ويتسرب إليهم الغضب، تحركوا غير عابئين بشيء إلا باسترداد حرمة قريتهم ،كسكارى يترنحون أمام باب بيتها. وفي مقابل استرداد حرمةٍ، انتهكوا أعظم الحرمات.. كل ما أذكره، أنني رأيت جثةً مسحوقةً أمام التلة الخضراء، التي لمحتُ أمامها رجلاً يفر كهرَّةٍ مبتلّة.
متهم
استيقظ لاهثاً، ندَتْ قطراتُ العرق على شفتيه، عدّلَ إطار نظارته، وراح يتأمل المكان، بقعة تسكن الظلام، يحولُ عن الخروج بابٌ طويل، يقسمه قضيبٌ معدني متين. تلّوى باحثاً عن سبب لوجوده هنا، لم يخطر في باله يوما أن يُقيدَ في زنزانة هامداً دون حراك، عاين ساعة يده فوجدها متوقفة، فكر ملياً بما حدث..
-ما الذي يجري الآن؟ منذ زمن لم أكتب تغريدةً واحدة، منذ زمن لم أنشر مقالاً واحداً، لمَ أنا هنا يا الله، أهي مغامرات الماضي، ما الذي يحدث هنا الآن؟!
ضجيج الأسئلة المتدفقة فتّتَ عقله، جعله في جحيمٍ لا يُطاق، لم يعشْ يوماً حالة غيابٍ كهذه، غياب ذاته، غياب اتزانه المعهود، غياب الوجود كله، مطَّ شفتيه متأسياً، عندما تذكّر آخر تغريدة كتبها:
"إن الثقافة الحقوقية ينبغي أن تكون حاضرة بتويتر."
-يا إلهي، يالي من أحمق، ألم تكفِ تلك التعهدات والتوقيعات عن الخوض في هذه المستنقعات؟! ولكني توقفت عن هذا، لقد كفرت بالماضي، لم يعد هناك ما أتمسك به، أنا الآن شخص آخر!
تمدد بابُ الزنزانة، ظهرَ رجلٌ قاتم الملامح، صورته بثت الرعب في قلبه، جلس على مقعد أثير ووبخه:
-متى ستكف عن هرائك؟
وقعت كلماته كالجمر، بقي مشدوهاً لثوانٍ ثم قال:
-لم أفعل شيئا، كلها كتابات الماضي، لقد تغيرت يا سيدي.
-لا تتذاكَ، وردتنا عشرات الدعاوى التي تتهمك بمعاودة تصرفاتك الصبيانية.
-من هم؟
-جيرانك
- من! وما شأنهم بي وبمَ يتهمونني؟
-يتهمونك بالتفكير. هذه دعوى من جارتك، تدّعي بأنها سمعتك تفكر بترهاتك القديمة، وهذه أخرى تقول بأنك تركت الكتابة والحديث، وأصبحت تفكر فقط، اقبضوا على هذا المعتوه إنه يخطط لشيء ما.
حدّق بانشداه تام، أدرك أن الكل يسمع ما يجول بذهنه، فَقَدَ آخرَ ورقة، بكى بحرقة: ماهذا الجحيم!
-لا تخف ستخرج من هنا بكل سلام، ولكنك ستتعهد بألا تفكر إطلاقاً.
قطعت كلمات المحقق نشيجه، أعادت إليه هدوءه، وقَّع على عدة ورقات، كفرَ بالتفكير، ثم حمل جسده المهدود وغادر عارياً. رآه الجميع، ولم يلمْهُ أحد.
كم نملة تطلب الأمر؟
بعد موت أخي مقتولاً، كنت أواسي أمي بذِكر أحد قوانين "العدل الإلهي"، وأنَّ كُلَّ قاتلٍ يا أمي، لابد أن ينال جزاءه، لكن هذا لم يخفف من حزنها.
قررت أن أقصَّ لها حكايات أخي، خاصةً مع النمل، كونه شغله الشاغل قبل أن يموت. إعتقدَ بأنه حقق رقمًا قياسيًا في سحق النمل، كنت أبغض فعلته جدًا، لطالما كان أخي يتنمر على من هو أضعف منه. بدأت الحكاية كلها بالنملة التي ظلّتْ طريقها، ودخلت غرفة المعيشة. كان أخي يخاف النمل، ولكن ماشجعه على فعلته، هو كونها نملة ضعيفة، بعيدة عن عشيرتها، وهو المدلل في حضن أمه. خُيل له، أنه جالسٌ على عرش، وأنه أقوى سلاطين الأرض فقتلها. تلك النملة كانت الشرارة، لكنها محظوظة، لأن أخي لم يتقن فن التعذيب بعد، كما فعل مع بقية النمل. فمرةً قام بتقطيع أرجل نملة، وانتقل إلى أجزاء جسدها، وهو يتمتم: "حمراء.. زرقاء.. حمراء.. زرقاء.."، حتى لم يتبقَ منها شيء، ثم يذهب راكضًا لأبي: "اخترت السيارة الزرقاء". كان يقتل العشرات منها كل يوم، وكان النمل يُلقبه بالوحش الكبير.
"ابني؛ إلى متى ستواصل سرد هذه القصص؟!"
"حتى نصل للنملة الأخيرة".
لكنني لم أصل قط لآخر نملة، لم يتسع الوقت، ولا صدر أمي، لسماع معاناة المئة نملة التي كان وزنها "يعادل" وزن روح أخي.
رهاب الحب
صديقتي تعاني من رهاب الطيور. لم أفهم بالبداية خوفها من هذا المخلوقات اللطيفة، فحين تتجول في الأماكن المكشوفة، كانت تهلع، فتنحني وتتجنب الطيور المحلقة، التي تبعد عنا مالا يزيد عن ثلاثة أمتار.
"ما الذي يخيفك إلى هذا الحد؟!"
"أخاف من مناقيرهم. أخاف أن تصطدم بي."
ما أشبه قلقها بما يحدث معي، بعد الحادثة التي غيرت حياتي. لاتزال الكوابيس تتكرر وتعيد التجربة، رغم محاولاتي العديدة لمحوها من ذاكرتي. كل كوابيسي تنتهي بطرح السؤال نفسه، ماذا لو كان بيدي منع هذه التجربة المؤلمة؟ لو أنني لم أكن وحدي معه بالغرفة، أو لو أن أبي كالمعتاد أجابني حين استنجدت به، لو أنني فقط تعلمت فنون الدفاع عن نفسي قبلها، لو كنت أذكى، لو كنت أقوى. الغضب يعتريني وأبي، لم أنجح في تخطي الأمر، ولم يتفوق أبي علي بذلك. الله وحده يعلم ،كم كان صعبًا على كلينا التفريق بين التغاضي عن الأمر، وبين التأكيد على وجوده، عن طريق نفيه.
أما الآخرون، فمن لا يعرف منهم ما حدث، يواصل سؤالي: "لماذا هذا النفور من العلاقات، لماذا هذه الوحدة؟". هم لا يعلمون أني حين أُحب، أشعرُ وكأن غرابًا يواصل نخر جسدي.
فوزية الشنبري
ثدي تربتها
هذا الطريقُ اللّزج مثيرٌ للإهتمام، لابدَّ أن هذا المُدرّج الأسمنتي القديم، قد احتفظ برائحة كلّ مَنْ هَبط عليه. صَعدتُه، وأنا أودعُ عالم الأحياء، وأحتفلُ برائحةِ الجُثث الممزوجةِ بالطين، رفعتُ رأسي لأُوقفَ نحيبَ الهواء في رِئتي، فأقلقتني سحابةٌ ممتلئةٌ، ترفل في السماء، تستأذن الهطول .
قطراتُ المطر أصابت الجميعُ بالنشوة، تذكرني بأمي التي كانت تُغدقُ عليَّ الهبات، كما يُغدق المطرُ على الأموات، كأنه يُريد ان يُكفّر عن ذنبٍ ما .وقفتُ في المكانِ المناسب، حيثُ كان يغتصبني كلَّ ليلةٍ في مرقدي، ويقول لي أن أخطاءه لا تُغتفر .
هنا، حيثُ الجميع يتكاثرون يوماً بعد يوم، ولكننا لانهتم إلا حين يَطلبون جيرةَ أشيائنا الحبيبة، ويسلبوننا الحياة، كما سلبتها المقابر قبْلاً. هُنا الزمنُ لايتناسبُ بأيّ شكل مع المكان، فقط نحنُ مَنْ نأتي لنبحثَ عن حقيقة البرزخ، تاركينَ بعضنا يموجُ في بعضِ، نحو الجانب الآخر من الحياة، لا حقيقة تُقاس بقبح تشبثنا بالاستمرارية .
"نشبَ حريقٌ كبيرٌ في أحد المنازل التي كانتْ تحتفلُ بميلادِ طفلٍ جديد، أسفرَ عنه موتاً يليه موتٌ صغير"؛ جريدة الثلاثاء .
"العام المنصرم، لم يكن عامي على الإطلاق ".
تقاذفتُ التربةَ بين يديّ، وأهلت بعضاً منها على قدميّ، حيث أقف مباشرةً على صدر أحدهم، بلا رحمة مني، أحدقُ في الشواهد التي نُصبت على ناصية المقبرتين المتمددتين بجانب بعضهما، كأيقونةٍ حديثة لنهاية الشعور بالذنب .
هويتُ بيديّ المُثقلتَين بسرعةٍ بالغة، لأحفرَ حفرةً صغيرة، على مقاس مابقي من الذكرى، وضعتُ حِذاءً صغيراً، مصنوعاً من الصوف الأبيض، تتدلّى من عُنقه عقدةٌ من خيوطٍ سماوية مُحكَمة، لشنق كلّ مدخلٍ للحياة إليها، دفنتها بداخل صدر طفلي الذي يرقد تحته بسلام تام، لم يكن بالامكان أن أُحدد مكان قدميه، لألبسهُ إياها. قبل أن يباغتني حُراس المقبرة، أهلت عليه مابقي من كلماتٍ تُقال، ثم هربت .
عادت الريحُ أدراجها، والشبابُ ينضجُ من أشجارها، السماءُ كفّت عني ماءها، حين ساورها الشك، أني قد أُنافسها الكرمَ الذي يطفر من عيني .
شددتُ اليّ مِقبضَ الحياة، وأخذتُ أركض نحو المدى، نحو السفر، نحو البردِ، علّة يقيني قيضَ الذكرى التي تلبّسنتي بالتهديد، كلما جِبتُ المدينة نفسها، التي سرقت مني أحضان أمي، وطفلي الذي فطمتةُ التربةُ من ثديها الجاف، ولم يكن لماء عيني نصيبٌ من فطامه .
خابت ظنونُ العامِ في النسيان، ها أنا ارتحلُ وحيداً، لاصديق لديّ سوى الحقائب التي حشوتها بالذنبِ والندم، نُحلّق وحيدين، وهذه الطائرةُ التي تشقُ ظهر السماء المظلمة، تُشاركنا الوحدة، تربتُ على أكتافنا المقاعد، لا يُباغتُنا سوى الغيم الذي يهوي على وجوهنا دونما موعد .
لم أمُتْ
بعدَ أنْ أكملتُ القراءة، أشارتْ المعلمةُ لي بإيماءة لم أكدْ أفهمها بسهولة، لولا أني بادرتها بالسؤال، وأنا أهمسُ وأشير إلى نفسي: "أنا؟" فأكتفتْ بهزّ رأسِها وهي تجيب: "نعم!" كان لها دوماً أسلوبها المميز في الاستقطاب، حتى أنْ بعضنا كان يقع تحتَ تأثيرها، ويحاول تقليد لثغتها في نطق الحروف.
أخذتني على انفراد وهي مُبتسمة كعادتها، وبصوتٍ منخفض وساكن جداً، كأنها تطمئنني لشيء لم اعرفه بعد، قالت: "أحسبُكِ من الفتيات الصالحات، وأرى فيكِ أشياء مؤثرةً، وأظنُّ أنَّ الله سيأخذكِ اليه مُبكراً!" لم يوقظني حينَها إلا "مريولي" الذي أخذ يهتزُّ ناحية صدري، ودقاتُ قلبي التي بدأتْ تتبعثرُ، كأنَّ قبيلةً من النمل تسكنه، وصرتُ أسمعها بأذني هذه المرة كالصواعق المتتالية: "اسعفني يا الله، ماذا تقول هذه المرأة؟" بكل طفولةٍ واستسلام، والخُذلانُ فاتحٌ ذراعيه يطوقني ويخنُق أمنياتي، أحلامي، عمري القادم، الذي لن يأتي بلا شك، تساءلتُ: "أأنا شخصٌ ميت، كيف ومتى؟! لم أجد إجابات كافية، فبادرتُ بسؤالها وأنفاسي تتقطّع، لعلها تقيني هذا الجحيم: "لماذا انا؟"
كانت المسافة ما بين سؤالي وابتسامتها من جديد، شاسعةً جداً ومليئةً بأناسٍ يركضون لا أعلم إلى أين؛ "لأنكِ ستكونين خيرَ عِظةٍ وتذكرةٍ بالموت، لن ينساها صديقاتكِ ولا قريباتكِ ولا كلّ من عرفك!" حمَلتْ دفترها الأسودَ، ورَبتتْ على رأسي بلطف، وخرجتْ، هكذا بكل بساطة!
بقيتُ جامدةً، ألعنُ حظي وبؤسي ونفسي، أحاول أن أسترجِع كلماتها، لم أستطع، لم أعد أتذكرُ أي شيء مما قالت، سِوى أنني سأموت، وسيحزنون عليَّ كثيراً، ويتذكرون الموت كثيراً، ويحبهم الله كثيراً. وماذا عني أنا؟ ماذا عن أكداس الأُمنياتِ التي أجمعُها يومياً في جوفي وأنا أذهبُ للمدرسة؟ ماذا عن اختباراتي التي أتحضّر لها، وأقدّم من أجلِها البحوث والمطويات؟ ماذا عن طابور صديقاتي الممتلئ بالضحكات الصباحية وبمفتشات الأظافر وهنَّ لا يُلقين ليديّ أي بال حينما أمُدّهما إليهن؟ ماذا عن دفتر يومياتي الممتلئ بالقلوب الحمراء، وأشرطة الأغاني التي اختلستُها من سيارة أخي لأظلّ أغنّي مدى الحياة؟ هل أنا الجُندي المجهول الذي سيتلقّى الطعنات وحده مِنْ أجل الجميع؟ هل أنا أستحق؟ لماذا سحقتْني تلك المعلمة؟! كمْ مِنْ الألم تحمّلتهُ وأنا أنتظر أن تتحقق نبوءتها. لقد ظلَّ البؤس يُلوّنُ وجهي. أصحو من نومي، أفكرُ بالأرق الذي سيُصادر ليلي.
حتى اليوم، لم أمُتْ.
قصتان
نوف الثبيتي
هروب أخير
الوقت: ظهراً عند أمي، صباحاً عندي.
المكان: الصالة أمام التلفاز عند أمي، زنزانةٌ لها نافذة تنقل لنا تفاصيل بقية الزنازين في العالم عندي.
الحدث: تنصحني أمي كعادة الأمهات. تتمادى، فتلعن المشروبَ الغازي الذي أفطرتُ به، ثم تلعن أشياء أخرى لا علاقة لي بها.
هذا الحدث تكررهُ دورة الوقت كلَّ يومٍ و شهر، فلم يعد مغرياً للنقاش أو الجدل، فقد اعتدتُ أن أنهيه ب"شكراً ماما، سأضعُ نصيحتك في صندوق صدري وأنام"، وأجلس معها أتأمل في الزنازين التي تمرّ عبر النافذة تلك، لكنَّ الأمر عند أمي يختلف، فهذا الموضوع بدايةٌ لحسابٍ طويل عن فشل ابنتها الوحيدة في الثانوية، ثم فشلها في الزواج، ثم فشلها في الوظيفة التي تعبتْ من أجل توفيرها لي عند صديقتها التي لا أعرفها.
ذات يوم أخبرتُ أمّي أنَّ الفشلَ كالموت، و قد اختارني هذا القدر و عليها الرضى، ألم ترضَ بأبنائها الستة الذين تفرقوا في البلاد و نسوها؟! ألم ترضَ بجارتها الكذوب التي تختلق لها المصائب؟! ألم ترضَ بغياب أبي الطويل في رحلات عمله؟! فلِمَ لا ترضَ بالفشل اللذيذ الذي سوّر حياة ابنتها؟!
يوما ما، بحتُ لها بأحد أسراري، هذا المشروبُ الذي لا تطيقه سيقرّبني من النهاية، سينتهي الوجهُ الذي تآكل و هو يغسل قذارة كلماتهم عنه، ستغلق أمي بابها و تذهب النسوة لاجتماع طارئ، يبتكرن فيه موضوعاً يليق بجلسات التفكير خارج الصندوق التي يجلسنها، ها هي الجارة التي تحوّلت من ذئبة ماكرة إلى مسكينة ثكلى بلا فتاة..لقد رحلت ابنتها الخرقاء، ابنتها التي لن يغفرن لها أن حملت المكنسة و بدأت تنفض الأثاث، وهن جلوس عند أمها، لن ينزعن تلك الكلمات المصهورة بالكراهية من آذانهن و هي تقول بازدراء لأمها التي تدور بالقهوة: "لا أدري يا أماه، أي ريح خبيثة أتت إلينا بهذا الغبار و البعوض و العناكب؟! أظنني سأتعب كثيرا في التنظيف، فالعناكب و أشباهها لا تفهم أن المكنسة ستأخذها إلى قعر مظلم، لعلبة برتقالية مربعة تفوح رائحتها في آخر الشارع".
الهروب منّي فشلٌ آخر، و أنا أرى وجهي هناك معلقاً بين الأغبياء الذين لا يحسنون لعبة الحياة، كانت محاولاتي للتعلّم دامية، و حتى لا أفقد ما بقي فيّ من انسان، اجتهدتُ أن أمحوه بأناة و حب، لي قلبٌ وحش أهوج، و أنا النصفُ الذي أمحوني لأحيا كلّي.
لم تبرر أمي لأحد صوابَهُ إلا أنا، كان صوابي الخطأَ الفادحَ، فشلي في الثانوية لأنّها تريدني ألا أفقد علامةً واحدة، و قد فقدتُ الكثير عند أول اختبار.. بقيتُ ثلاثَ سنوات، لا أنا وجدتُ حيلة لأكون المغناطيسَ الذي تهرب إليه العلامات، و لا أمي تنازلت عن المئة، فجثوت بمئة خطيئة دون أن أذرفَ دمعة.. لن أبررَ لي فشلي في الزواج و الوظيفة، يكفي أنَّ الأبوابَ موصدةٌ أكثر مما أحتمل..
قلتُ لأمّي التي لا تملّ من نافذة الزنازين تلك: "ألم تتعلمي من هذا الشيء الذي ترينه شيئاَ، يمكنك أن تعلميني إياه؟!" قالت ساخرة: "عرفتُ منه أنكِ عاقّة، و تعلّمتُ منه أنَّ العاقَّ في الجحيم".
المرة الأخيرة، التي سألتها عن فيض النصائح الذي اجتاحني، بسبب علبة مشروب غازي، ستجعل عظامي تتآكل. قالت لي أنها تخاف عليّ، فأنا ابنتها الوحيدة! أخبرتها حينها، أنني استعجل الجحيم، فلا تكلّف قلبها المسكين عناء الثرثرة، كلما استيقظت لأشرب سمّاً كما تقول.
هذا المساء، سيكون الأخير. أمي تعرف ذلك، أخبرتها كثيرا أن الحياة لا تفتقد الفاشلين، وأن الذي يحث الخطى نحو الحفرةِ الأبدية بصدق، ستهرع إليه أيضا. أخبرتها ألا تخشى من صمت الزنزانة، فصوتي كان فيها نعيبُ غراب أو بكاء بومة، لذلك ستنام هانئة على صوت تلفازها و هو يدندن بأغنيتها الصباحية؛ "ارسل سلامي..مع نسيم الصباح". لم تكترث.. ومنذ متى كانت تفعل؟!
لا بأس إذاً، هيا إلى ركن آخر.. قد يكون أفضل..مَنْ يدري؟!!
أكثر وِحْدة!
الأول من إبريل 1980، كتبَ أبي في مذكراته، أن الله رزقه غمامة.
الأول من إبريل 2000، همستْ أمي في سماعة الهاتف، أن الله رزقها سوسنة.
الأول من إبريل2015، كتب أحدٌ ما على شاهدة القبر؛ “هنا طيفٌ هارب، كلما أرهقه المسير، ألقى أساهُ بين طيات الكفن”.
شأنُ الذين يمضون، لا يعنيكم. وهكذا أفرغتْ أمي زوّادة صبرها، وسَلَت مع الأيام. وقطف أبي ثمار اللوز، دون أن يتذكّر طوقَ الورد الموسمي.
أنا أيضا نسيت.. لم أعد أقفُ على الناصية أرقب “حنان”، أختي الصغيرة، وهي تركض في طريقها إلى المدرسة. أنا الآن وحيدة أكثر منها، الطريق الذي تضربه بقدميها يلوّح لها بالأعشاب والحشائش على ضفتيه، والشمس تتلكأ، لتصل قبل أن تنشر نورها، فتصبح حرارتها قاسية عليها، السحب تسابقها دون أن تعلم، والطيور تلاحق القوت كما تطلب هي العلم.
أبي وحده في الحقل الفسيح، انتهى موسم الحصاد، لكنه يقضي قيلولته تحت أغصان اللوز طوال العام، أنا الآن أكثر وحدة منه، ها هو يحصي المال و يوزع لكل حلم ما يكفيه، وعندما فرغ من كوب الشاي، استلقى كعادته وأخذ يدندن، هدأت الأصوات من حوله، كأنما تفسح للسماء أن تتزين بقلائد من نغماته. ليس وحيداً.. أنا أكثر وحدة منه.
أمي بين العنزات، كانت تقصُّ عليها حلمها القديم كعادتها، سقط اسمي دون أن تتأثر، قالت لهن وهي تنتقل إلى عنزة أخرى لتحلبها: ”إذا لم تسمعن كلامي، ستكون كل واحدة منكن وجبة لذيذة لضيوف أبي حنان، فحنان ستكبر وتحضر الشهادة ثم تتزوج، وفي زواجها لن نترك بيتاً دون دعوة، والتي لا تسمع الكلام منكن، ستكون وسط المجلس غداء للضيوف”.
وبعد أن انتهت، دخلت البيت وبدأت تغني، وهي تتنقل بين الغرف، نسيَتْ باب غرفتي، لكنه لم يكن وحيداً مثلي، كان يثرثر لبقيّة الأبواب عنّي، عن تلك التي تصفقه عندما تغلقه، ومن الداخل شوهته بالأوراق والخطوط الملونة والمسامير، حكى عنّي طقسُ فزعي اليومي، وأنا أقرأ وجهي في المرآة، أتناسى زحف المرض وسطوته دون أن أفلح، وعندما أنظر إلى علبة الدواء، أشتمها ثم أحملها وأغسل ذنبي بدموعي، وآخذ منها ما يجعل العذاب أقل سطوة، ثم أعلنتْ علبةُ الدواء أن الداء أكبر منها.. صمت الطبيبُ، وعرفتُ حينها أن عليّ أن أغرفَ من الحياة أكثر ما أستطيع، عليّ أن أرى الشمس معلقةً في السماء دون حراك، والتقويم مبتور القدمين، والحقول خضراء رغم امتداد الخريف.
ورسمتُ لوحة في المرآة.. دخلت حنان فأعجبتها، حملت المرآةَ، وركضت نحو أبي وأمي في الصالة. ولأنَّ الليلَ امتدَّ، أرادت السجادةُ أن تتثاءب، عثرتْ قدمُ حنان.. وقعت الشمس، وحلَّ ظلامٌ طويل، وانقلبت حقولُ الربيع إلى جفاف أبدي.
في صباح الأول من إبريل 2012، كتبَ أبي في مذكراته؛ كانت لي غمامة.
في مساء الأول من إبريل 2012، همستْ أمي باكية في سماعة الهاتف؛ كانت لي سوسنة.
حنان في غرفتها؛ كانت تحاول أن تعلّقَ الشمسَ، وتبتر أقدام التقويم.
عادل المالكي
رغم أني عشت كثيرًا، وعرفت الناس عن قرب، إلا أني لا أفهم. لا أفهم لمَ يفعلون ما يفعلون. أقبع هنا طريحًا لأراقب تصرفاتهم، يلوذون بي قليلًا، ويقذفونني بالحصى كثيرًا، ولا يهمني ذلك كله، أقف رافعًا رأسي عاليًا وأراقب. أراقب فقط. لا أتدخل في شيء مهما كان، هذا هو قانوني الأول الذي فرضته على نفسي، منذ أن حصل ما حصل.
يحدث كلُّ شيء أمامي وأنا ألوذ بالصمت، أبتلع أوجاعي وأوجاعهم. وإذا جُنّ الليل وهدأت الأرض، أشتمّ رائحتها، أجدها تنشج ذلك النشيج الخفيّ، تتسرب الآلام بين مساماتها، وتختلط مع أوساخ البشر ونزاعاتهم. أرتاح من كل هذه الضوضاء التي تشتتني طوال النهار، فأسرح بأفكاري، أفكر في كل الأسماء التي أرّقتني ليالٍ كثيرة، يقطع تفكيري آذان الفجر، منطلقًا من مسجد قريب، أسمعه كما لو أنه يصب نداءه في أذنيّ، يصيبني بالسكينة، فأركع.
رغم أني عشت قبل ذلك في الماضي بنفس هذه الطريقة، الصمت والمراقبة، لكن كل شيء يتغير مع مرور الوقت، حتى الحجارة الصماء تذيبها طَرقات الماء المستمرة.
كنت أشيخ وحدي، هنا في هذا المكان البعيد من الأرض، أهرب من قبحهم، فيجروني جرًا، أهرب من وقاحتهم، فينعتوني بالأطرش، أهرب من تعطشهم للدمار، فيلحقوني بسيوفهم. لذا أصبحت جزءًا من عالمهم البشع، يطاردونني باسم الحضارة، يلقون إليّ همومهم وفضلاتهم، ينثرون أوهامهم أمامي، ويثقبون بها رأسي حتى أتشكل كما يريدون.
عشت على هامش الحياة دهرًا طويلًا، عرفت الجميع ولم ينتبه لوجودي إلا القليل، لا يبصرني إلا من له عقل نافذ، أما الأغلبية فيرونني لا شيء، مخلوقاً من تراب، كبيرَ الجسم، عديمَ العقل، لا يضرّ ولا ينفع، أمراً هامشياً، لا يجب أن يكترثَ له أحد.
لكني أكترث لأمركم أيها الحمقى، أنا ذلك الأطرش الجامد، أكترث لأمركم كثيرًا، ولا يمكنني إنكار ما خلفّته بي قصة "حنان" و"مازن" من أثرٍ لا يمحى. ذلك الأثر الذي بقي على جسمي طويلًا، ودفنته في قلبي إلى الأبد.
كانت حنان شابة جميلة تضج حيوية، وكأن عمرها توقف عند الثانية والعشرين، تتفجر طاقة ونضارة، بحيث لا يمكن اعتقاد أن ذلك الوهج قد يخبو يومًا ما. لذا فعندما تقرّب منها مازن لم تستطع صدًه كثيرًا، وغرقت معه في ليالٍ لا تنتهي من الحب، كان ذلك منذ زمن، عندما كنت أعيش بعيدًا عن البشر. وعندما جاءتني برفقته كانت مشاعري متيبسة، حجارة بعضها فوق بعض، لم يكترثا لأمري كثيرًا، كانا يهربان من أعين الدخلاء. حينها رأيت لأول مرة ذلك الجسد الذهبي يتلألأ تحت ضوء القمر. آه ما أجملها، تلك الشقية كانت تُفقد مازن صوابه، وفعلت بي الشيء ذاته.
"مازن! ابتعد! أحس أن أحدًا ما يراقبنا؟"، قالت وهي ترتدي ملابسها، ثم رحلتْ سريعًا في جنح الظلام.
كان مشهدها، وهي تهرب ملتفّعةً بردائها يزلزل كياني، في كلّ مرة أتذكر ما حدث. ورغم أن مازن لا يخافني ولا يهمه وجودي بينهم، إلا أن الغيرة بدأت تعتمر ذراتي أنا، أنا الذي لم أتحرك يومًا، كنت أهتز حبًا عندما أراها. كانا يلتقيان هنا مرةً كلَّ شهر، يتسامران، يتشاكسان. يسترسل مازن في ذكرياته عن صديقه الوحيد، ويحكي لها كثيرًا عن أبَوَيه الطيبين، يقول إنه وحيدهما. تكرر حنان الحديث عن قصة حبهما، ويتخاصمان بشأني في كل مرة، تقول: "إنه يراقبنا بعينين من حجر، عينان كبيرتان، لقد رأيت ذلك".
كانت تلك الشقيّة تكرر هذه الفكرة كثيرًا على مسمعه، حتى بدأ يصدّقها، ولا أدري كيف خطرت لها فكرة كتلك. وفي ليلة من لياليهما، رأيته يقلّب الحصى والتراب، يبحث عن جاسوس قد يشي بقصة حب عنيفة. كنت أنتظر فرصةً كتلك، لست أنا السبب، فهي من تسببتْ في موته، ذلك الفتى الصغير، كانت تنتظره حياةً بأكملها، لكنه فقد كل شيء حين التفت وراءه ورآني، قلبتُ عليه صخرةً ثقيلة فكتمت أنفاسه، ومات موتًا بطيئًا، فلا هي استطاعت أن تنقذه وترفع عنه الصخرة، ولا هي طلبتْ نجدةً من أحد، خشية افتضاح أمرها. كان يعجز عن الحديث، ينقّل عينيه نحوي تارة ونحوها تارة أخرى، أما هي فبقيت تنوح عنده حتى مات، وحينها فقط رأتني رأي العين، أمامها مباشرة، أختلس النظر بصمتٍ عميق. تجمدتْ الدموع في عينيها وبقيت ساكنة دقائق، ثم ولّت هاربة، ولم أرها بعد ذلك أبدًا.
كانت هذه قصة عاشقين طويت تحت التراب. وأعني ذلك حرفيًا. فالأيام القادمة، حملت معها ريحًا شديدة، استمرت تجرف الرمل ليلَ نهار، حتى دفنت مازن تحتها. وذلك الراعي النحيل، الذي جاء بعد أيام، كان يتكئ على ذات الصخرة التي قتلت مازن ولم يعلم عنه شيئًا.
كان الراعي في السابق يأتي أيامًا قليلة من كل شهر، يرافقه كثيرًا مازن، يبحثان مع خرافهما عن حشائش تسد جوعها، لكنهما يغادران في كثير من الأحيان خاليا اليدين، فالمنطقة جدباء قليلة الأمطار، وكنت في كل مرة أراقبهما بشفقة. لكنني في ذلك اليوم الذي جاء فيه، كنت حانقًا عليه وعلى الناس كلهم. كنت أمنّي نفسي برؤية حنان، وعوضًا عن ذلك أجد "خالد" يبعثر أشيائي بهمجية، يبحث في كل مكان كالمجنون. أعددت خطتي وانتهى الأمر. حفرت حفرة عميقة في ذات المسار الذي كان يتبعه دائمًا، ثم واريتها ببعض الأعشاب والمخلّفات الملقاة هنا وهناك. وحين عاد في اليوم التالي سارت الخطة بشكل مثالي، وسقط فورًا وتبعه أحد الخراف، فيما تفرق بقية القطيع.
أصيب خالد بكسور وبقي يموت ببطء بالداخل، لم يستطع الفرار، لذا بدأ يصرخ طالبًا العون لكن ما من أحد، وحين نفق الخروف الذي سقط معه، حاول أن يتغذى على لحمه لكنه سرعان ما غدا جيفة وانتشرت الرائحة، حتى جذبت الحشرات والطيور من كل مكان. وعندما اقترب موته، رآني، مثل حنان وخالد، أنظر إليه بذات الصمت العميق، وهو يتعفن بالأسفل، ثم أهلت عليه التراب.
كان الغضب ينطفئ أخيرًا في جوفي، أحاول أن أعود وديعًا كما كنت، لكنهم لا يتركونني أبدًا. كل ما يفعلونه يغيظني، طمعهم وغبائهم ليس له حدود.
جذبَ الموتُ رجلًا عجوزًا، جاء يبحث عن شيء، وعندما اشتمّ الرائحة، عرف كل شيء. في البداية لم يجد شيئًا، تعب من البحث فجلس أمامي بحزن، لم ينطق بكلمة، ثم غادر المكان. وعندما رحل ظننت أنه لن يعود، لكنه ظل يزور المكان يوميًا شهرًا كاملًا، يبحث كثيرًا ثم يفكر بصمت ويرحل.
وفي اليوم الثلاثين، قررت التخلص منه، لم يكن الأمر صعبًا، فتجاربي مع الناس كانت تؤكد لي دائمًا الأمر ذاته، إنهم أغبياء وطماعون، لذا عندما فتحت له فتحة صغيرة في التراب، انكبّ يبحث بداخلها كالمجنون، وحينئذ أطبقت عليه بسهولة ودفنته حيًا. لم يكن عنفًا مني، كل ما في الأمر، أن وقته كان قد حان.
وفي الشهر التالي كانت الوحدة تقتلني، كاد أن ينساني الجميع، حتى جاءتْ امرأةٌ عجوز، كانت تبكي طوال الوقت، تفتش عن آثار ولا تجدها، تربّت على ظهري وتنفض عني التراب. وأنا أتزلزل من الداخل ولا يشعرون. لم تفلت مني هي أيضًا.
والآن، بعد ستين سنة، بعد أن امتلأ المكان بالناس، وأصبح عالمي مليئًا بالحكايات والألوان، أصمتُ وأراقب فقط، أفعل ذلك لأعرف نفسي أكثر فأكثر، لا يمكن أن يكون أنا من فعل ذلك بالماضي. إنهم في النهاية بشر، ولا يمكن لهم أن يلقوا باللوم علي. كنت أرمي غبار اللحظات خلفي، أحاول أن أنسى، لكن يا لتلك اللحظات المروّعة، حين جاءتني حنان تمشي بتثاقل وتعب، بظهرها المحدودب وعصاتها التي تسندها، وخاطبتني للمرة الأولى والأخيرة. قالت لي وهي تنبش جسدي الطريح: "لماذا؟ لماذا ابتلعتهم أيها الجبل؟".
ثلاث قصص
تهاني مخيزن
أروقة المغادرة
على عجلٍ، لفّتْ الساعةَ حول معصمها المجروح،
نظرت إلى الستائر الشاحبة التي حجبتْ عنها إشراق الشمس،
رمقته بنظرة حانقة، لتجده مازال غارقاً في نوم عميق،
بعد أن أضرمَ بينهما سوراً من أعوامٍ طوال،
تفصل بين ميلادهما وبطء موتِه.
تمتمتْ مع نفسها قائلة: هذه نهايةُ أوجاعي معه.
جمعتْ ما تبقى من كرامتها في حقيبة،
حملتْها من أروقةِ سنين الانتظار، وغادرت.
شجرة اللوز
تركَ شجرةَ اللوز، وغادرَ إلى المدينة.
بعد أمدٍ وشيب، عاد واقتربَ منها،
فرشقتْهُ ببعض ما شاخَ مِنْ أغصانها.
بقايا عطر
بعد سنين من الغربة، عادَ لمدينته، فوجدها قد تمددتْ في جميع الاتجاهات.
شارعٌ واحد، كلَّما مرَّ به، اندلقتْ رائحةٌ مميّزة إلى لبِّ قلبه،
يشعر بلذّةٍ غريبة تتلبّسهُ، وتشرئبُ حنجرته بشجنٍ لم يدركْ سببه.
طلبَ خريطةً قديمة للمدينة،
وجَدَ أنّه ذاتَ المكان الذي انكسرتْ فيه زجاجةُ العطر التي أهدتْها له، في آخر لقاءٍ جمعهما.
عصام الزهراني
رجل الرمل
في تمام ١٢:٠٠من ليلةٍ شتوية،
كانت الأمُ مضجرة بمقاومة صغيريها للنوم. قالتْ: ناما قبل أن يأتي -رجل الرمل- ليضعه في أعينكم. نامَ الثاني، وظل الآخرُ يترقب، ولم يأت أحد. وفي الليلة التالية، غلبهما النعاس واستيقظا على آثار -رجل الرمل- ملء أعينهم.
اليوم، وبعيداً عن تلك الليلة بـ ثلاثين عاماً؛ يحاول العالم أن يقنع ذلك الرجل بأنه غير مستهدف، .. ويفشل.
مكتشف الفخاخ
حزمَ أمتعته، وشدّ قلبه، وشرب ما يروي من الماء، وبدأ الرحلة.
قطع طريقه العطش الذي ظنّهُ لن يعود .. ومات!
مرّتْ قافلةٌ راوية، فوجدوه وقد كتب على الرمل؛
"اشربوا الكثير من الماء قبل السفر، فالذي يأتيكم في الطريق فخ!"
كم خطوة تحتاج لتنجو؟
اجتمعوا على رأسِ جثة شابٍ ماتَ في صحراء – بلا حذاء-،
و عندما سأل المحققُ نفسَهُ: " كم يستطيع أحدُهم أن يسيرَ فوق الجحيم حافيا؟"
التفت والدُ الجثة، قائلاً: كان حزيناً، هذا كلُّ ما أستطيع أن أخبرك به، فلن تستطيع أن تقيس كم يرغب أحدهم ان يعيش.
يوقظ الشمس
تأخر الشروقُ، فاختبأت السنبلات التي كانت تخطط للنمو،
ماتَ أبي، ذلك الذي كان يدَّعي دائماً أنه يوقظ الشمس؛
كانَ محقاً!
الانحلال
انضمّتْ حمامةٌ جديدة لسرب الحمامِ الزاجل،
لكنَّها كانت منبوذة،
لم يكن لونُها يشبههم، ولم تكن تنوح،
كانت "حمامة حرم".
الفجوة
تساقطتْ أسناني قبل أول يومٍ لذهابي إلى المدرسة، فتأخرتُ عن الدراسة خجلاً، حتى العام القادم.
منذ ذلك اليوم، وانا أردم فجوةً في عمري، مقدارها سنة.
أصدقاء الخبز
في صبيحةِ يوم الفحص الطبي الأوَّل، اللازم لدخول المدرسة، أخبرني الطبيب أنّهُ بحاجةٍ لكميّة محددة من أمعائي، ليفحص جديتي بالتعلّم. حاولت كثيراً عصْرَها بشدّة، فلم أنجح. طلبَ أبي منه موعداً في اليوم التالي. عدت للبيت، وبدأت في أكل الخبز و الماء، علّها تملأان علبة الاختبار تلك. ويا حسرة، لم يحدث. ضحكت أمي: "يا بني.. الخبز صديقنا الوفي، لن يتخلّى عنك بسرعة".
محمد مدخلي
شاهد عيان
حشدٌ غفير تجمهروا مكان الحادث. كنتُ شاهدَ عيان. باتَ قلبي مضرجاً بدمائِه. وصل الإسعافُ، كعادته متأخراً. مات قلبي، بل قُتل.
أُقفل المحضر بعد استجوابي في القضية:
ــ هل تشك بأحد ؟
ـــ لا.
أتممتُ مراسِم العزاء. ارتديتُ جلباباً أسود، دون خاصرتي خنجراً.
جلتُ الطرقات بحثاً عن خيط يدلني إليك، فرائحة الثأر تنبثق من شراييني. على يميني مقهى عربي، لمحتكِ بالداخل، ثارت قواي؛
"يا إلهي، ما زلت أحبك بدون قلب، يا قاتلة!"
تنحيتُ غير بعيد، أرثي قلبي. تعقبتُ خطواتك، استدليت مخدرك، جسستُ خنجري، وجدته ساخناً، أدخلته غمده، همتُ وسط الزحام.
في الصباح، جمهور غفير احتشدوا مكان الحادث.
سألت أحدهم، فقال:
امرأة تقطن الدور الرابع، وجدوها مقتولة.
الأعرج
يقبع بيتنا في "حارة البائس". أزقة ضيقة، تصطفُّ عليها مساكن صغيرة متلاصقة. كثيراً ما أقفز على سطوحها، إذا ما أرسلتني أمي لإحداهن. ذات صباح، زار حارتنا فتاة غضّة، تعتل سِلال مصنوعة من الخوص. تجوب البيوت لبيعها. طنينٌ من الأفعال أحدثتُها لِجذب انتباهها، وهي تناول أمي سلّة من مبيعاتها. نظرتْ إليّ باسمة، لمحتُ في وجهها نظرة منهكة مخطوفة. لمحةٌ أجّجَتْ مشاعري. من يومها، اتخذتُ من عتبة منزلنا مركازاً، أرقب المارّة، في انتظار بائعة السِلال.
شهرٌ كاملٌ مرّ، قبل عودتها. هذه المرة تحملُ أواني فخارية. تتبعتُها، أتحيّن انحناءة زنقة، للبوح لها. تدخلُ بيتاً وتخرج من آخر، وأنا أتوارى خِفية. حميتْ الشمس، وازددتُ حنقاً. ها هي، تخرج من آخر البيوت. بطرف الحارة كهلٌ أعرج في انتظارها. لابدّ أنه والدهها!
عليّ أن أفتعل أية حيلة. أسرعتُ الخطى؛ ناديت بأعلى صوتي:
- يا عم؛ يا عم .
- ما بِك؟
- ألا تريدان أن تشربا في هذا اليوم القائظ؟
أشار للفتاة الغضة وأردف:
- شكراً جزيلاً، فزوجتي بحوزتها الطعام والشراب .
وراح يحجل على الطريق وهي تتبعه.
صُراخ
ما إنْ صعدتْ الفتاةُ الطائرةَ، وجلستْ على مقعدها المحدد، حتى طلبت المضيفة من الركاب المكوث بأماكنهم، مع ربط الأحزمة.
يفصلني عن مقعدها عجوزٌ بدين بأسنان بديلة، ينقل ثقله من قدم إلى أخرى. قُرب الفتاة من النافذة، جعلها تُطيل النظر للخارج. بخدها الأيسر، حبةُ خال، زادت من جاذبيتها. لون فستانها فضي يضرب إلى الخضرة.
هبطت الشمس، واصطبغ الأفق بالأحمر، مختفياً خلفه آخر شعاع من ضوء النهار، وجنّ الليل.
-الرحلة طويلة، لابد من ونيس غير هذا الهرِم.
هكذا حدثت نفسي.
نظرتُ إليه؛ فمه نصف مفتوح، خيط أصفر يتدفق من شفتيه، أغمض عينيه نصف إغماضة. هممتُ بمخاطبته، وكزتُ كتفه بلباقة، سبقني بالحديث، دون التفاته:
- أتود الجلوس مكاني؟
- نعم ، كيف عرفت؟!
دغدغ أرنبة أنفه مبتسماً:
-ستفقد شخصيتك إن اقتربت منها .
شكرته على قبوله الدعوة، غير آبهٍ بتخريفه. عمّ السكون الطائرة. لمعة ضوء خافتة، منعكسة عن السقف
-موعد الوصول، السادسة صباحاً.
ظلّ جسدها متحولاً للنافذة، كما وأنها لم تسمعني!
شخير هذا الخرِفْ أقضَّ السكون، يطلق زفرات ثقيلة بشكل مضحك. شعرتُ بحزن عميق تجاهه.
حاولت عبثاً النوم، شاشة الملاحة تشير عبورنا المحيط الأطلسي، السماء بلا نجوم. تململتُ وأنا متوسطاً فتاة خرساء، ومُسن معتوه. طلبت فنجان قهوة؛ أكلت فطيرة التفاح. أكملت الفصل الأخير من رواية " إثبات عذرية ".
دوي صراخ، أيقظ الركاب. الكل جال ببصره بحثاًعن مصدر الصوت!
طفلٌ حائر بين الرضاعة والبكاء. ساد الهدوء، بعد أن رضعته أمه.
انبلج الفجر، هبطنا المطار. عند موظف الجوازات، افتقدتُ جوازي ومحفظتي.
تذكرت أن تلك الفتاة مالت على جسدي، وهي تبحث عن مصدر الصراخ.
دهس
ابراهيم عسيري
ثمَّ أخذَ في تقديمِ نفسِهِ، شارحاً سيرتَهُ الذاتية، بطريقةٍ مختلفةٍ ومغايرة :
أنا يا صديقي..
عندما أعبرُ الطريق، لا ألتفتُ يميناً ويساراً،
ليستْ مجازفة !
إنما الطريقُ مألوفةٌ بالنسبة لي،
وضاربةٌ في الرتابة.
وحين أسمعُ صوتَ الكوابح،
أعرفُ أن المدهوسَ هو ظِلّي،
فهو مؤخراً ملَّ مني،
وأصبحَ يتقاعسُ عن اللحاق بي؛
لم يعد إمّعة، مثلما كنتُ أصِفُهُ ساخراً .
بسمة العتيبي
جُلُودُ عبداللطيف
"أهلاً يا نيلدا الصامتة والودود"، ثم فتح ذراعيه مكملاً وقد ابتسم، لتتضاعف التجاعيد في الزوايا الخارجية لعينيه؛ "والمجدة والمجتهدة بطبيعة الحال، الجد الجد يا نيلدا تقوم عليه الأمم أتعرفين؟!" عاد ليتمدد على المقعد الجلدي البني الكبير والبراق. الدكتور عبداللطيف يحرص كثيراً على لمعان مقعده أكثر من ثيابه! أكثر بكثير من معطفه الأبيض. فكّرتْ "نيلدا"، أن هذا الرجل طيلة خدمته في الثلاثين عاماً لم يكن حريصاً على شيء، بقدر حرصه على درجة لمعان مقعده البني الجلدي، نعم تعرف عبداللطيف أكثر من أي أحد هنا، منذ جاءت من الفلبين، منذ ثلاثين سنة، وتحديداً عندما عُيّنَ عبداللطيف طبيباً في مستشفى.... حتى صار الآن مديراً له. تدرك جيداً أنه مهووس بالجلود، الصناعية منها في المقاعد والأحذية والمحافظ، والبشرية كذلك، والنسائية بشكل خاص!
قالها لها مرة: "هل تعانين من حكة؟ أكزيما مثلاً! هرش! عيادتي ترحب بك في أي ساعة يا نيلدا"، ثم وبإيماءة لا معنى لها _هكذا رأت نيلدا_، تابع: "وقلبي كذلك .."!
لم تحمل نيلدا يوماً لطفه على محملٍ أكثرَ من كونه "ملامس جلود بشرية". في وقت مضى، قال: "الجلود وثائق سرية، وأنا مغرم برصد الأسرار وقراءتها!"، وما لا تطيقه أن يتطفل أحد ما على أسرارها، التي لو أتيح له ذلك، لعرف السر الكبير، السر الذي قد يحمله لإنهاء عقدها بطرفة عين. حسناً، ربما في مرة ما، أخطأتْ صديقتها "سيتي"، وجعلته يمس جلدها، ويسرق سرها. لذا، وحسب، أنتهى عقدها في ليلة وضحاها! تنثال خيوطٌ في رأس نيلدا، جلود نسائية وأخرى رجالية. تطفّلَ في تعريتها هذا المهووس بالجلود، لا تفكر طويلاً، تنتزع نفسها، لتعود حيث يجلس هذا "الملامس" على مقعد جلدي، منحه بدوره كل أسراره، ومن أخطرها السلطة! فكرتْ أن مصدر هوسه بالجلود عائد للسلطة! للسلطة تحديداً! وماذا أيضاً ؟! قاطعها: "حسناً يا نيلدا الصامتة الودود، هل أقول العجوز أيضاً؟"، اندلقت ضحكته العالية بلا معنى على جلد كرسيه، فزداد التماعه. خيل لنيلدا أنه يلمعه كل ثانية، بماء هذا الصوت. لكن أيّ ماء يرافق صوته، أحمرَّ وجهُها "الشهوة!". حسناً، هي الآن تقرأه، ترصد أسراره دون مس! هو "ملامس مهووس، بحثاً عن السلطة والشهوة! أيهما أسبق على الآخر؟! فكّرتْ: "الشهوة! اشتهاء السلطة، والسلطة بدورها وابل مطلق"! ابتسمت: "هو في قراره دائخ ومدوخ بشهوة السلطة! هذه فقط وراء ركضه الحثيث في كل المجاهل الملتوية والغريبة"! ظنّها تضحك لدعابته، مط رقبته بتباهٍ وتابع، في حين كانت نيلدا ترصد ما لايقوله تماماً، تشرحه! نيلدا لم تصمت أبداً، ماحدث أنها بقيت تتحدث طويلاً دون أن يدري!
"لكن الشهادة لله، لك جلد شاب أكثر من مريم!"
أوه مريم! دون سابق إخطار، حضرت مريم كممرضة طوارئ في البدء، وبوقت قصير صارت ممرضة عيادته كل أثنين وخميس. وعلى ذلك، فمريم تقبض راتباً كاملاً بدوام يومين، لاثني عشرة ساعة بالأسبوع فقط!
"الحق، هي بشوش وثرثارة وضحوك! وأنتِ يا نيلدا الطيبة الصامتة الودود، من أنت؟!"
استند على مكتبه وغمز لها.
"كما أناديك دوماً، نيلدا الطيبة الصامتة الودود، هل أقول العبوس أيضاً؟! كلا لست كذلك، فالجلود الناعمة البيضاء، هي جلود ضحوكة بطبيعة الحال، ومغناجه كذلك! إلا أنك خيبتي ظني! رغم محاولتي لقراءة جلدك ثلاثين عاماً!"
ثلاثون عاماً بثلاثين مرة! بثلاثين محاولة، ذاك أن الدكتور عبداللطيف لا يعرض كل جلد للمس إلا مرة في العام، وهو بذلك يهيج، ثم يختبر، ثم يقيّم: "أوه، هذا العجوز النهم"، قالت نيلدا ذلك في صدرها، دون أن تكون قد نبست بحرفٍ بعد، وهي تدرك أن هذه المرة هي الواحدة والثلاثون، وهي نظراً لعمريهما الستيني، ونظراً لأن عبداللطيف يجلس منذ أربعة أعوام على مقعده الجلدي الكبير واللامع، صار "تلمسه" أكثر ارستقراطية! "حسناً يا عبد اللطيف، لقد قطعت الشوط والمرات الأصعب، ماعاد في مراتك ما يقلق!"، قالت ذلك للمرة الثانية، ولم يكن لها بعد صوت!
التفت إليها، خلع نظارته، وعاد ليتمدد على جلده البني، بتمدد أوسع من سابقه، ثم وبزفرة: "لقد أردت الاطمئان عليك يا نيلدا! مازلت نيلدا الطيبة الصامتة والودود! بإمكانك أن تمضي الآن! على أن تبقي دائماً يا نيلدا هكذا !صامتة وودود!!"
ضغط على الكلمة الأخيرة، فيما نهضت نيلدا. قالت لنفسها: "ليلمّع عبداللطيف جلوده كيفما شاء، ليفصل هند "المتحدثة والقوية والغضوب"، ليأتي بمريم الضحوك والثرثارة، ولتذبل مريم، لتجيء سلمى، ولينهي عقد "سيتي"، لأنها لم تعد "الصامتة والودود"، ولتتحدث نيلدا وتبقى، دون أن تكون الصامتة أو الودود!
الدُّوَّامة
مدينة "جدة" تصير بَالُوعةً كبيرة في الأمطار، وهي على كل حال بالوعة مسدودة وطافحة!
"هل تريدين أن تغرقي في دوامة لبالوعة مسدودة؟! "
أوقف السيارة، الحي معتم وغارق في الرطوبة والمطر، المياه لا تجري، تتكدس في حفر الشارع ونتوءاته. ثمة صبية يركضون ويصرخون، هواء بارد يعبرها مع أصواتهم.
"أنا هنا في موعد؟!"
"هيا بربك ، أي موعد هذا؟!"
"اسكت!"
عند أول خطوة تضعها على الأرض ، غاب الكعب الدقيق في جرف لئيم. للحظة، ظنت أنها ستغرق في الدوامة الأولى. استنجدت بالباب الذي صفعته بقوة لتوها، خدشتها القهقة اللئيمة، صوته يمخر عباب الهلع.
"يا عزيزتي اخلعي كعبك! امشي حافية على الأجراف والحفر والثعابين! هنا لا أحد يمشي منتعلاً ؟!"
المطر الذي لم يتوقف، المياه التي تكتنز في الحفر الصغيرة والكبيرة، لتصير دوامات، تكبر وتبتلعها، أية دوامة ستتلقف سقوط الجسد الذي تخبأه في عباءة من الحرير الناعم. والكعب:
"اوه، اللعنة على الكعب".
وقفت عند الباب لدقائق. بطريقة ما، لم تفهم لمَ وقفت. تأملت الشارع الذي يفصلها عن بيت صاحبة الموعد. الصغار يفرون من جوارها، يضحكون.
"كيف يضحكون؟!" تساءلت.
صوت بوق السيارة بضربيتن خبيثتين أفزعها، يضحك ساخراً:
"أدخلي بالله! يكفي هبل!"
بدا أن محاولة العبور بهذا الحذاء، والحقيبة السوداء الكبيرة المعلقة على ذراعها، والملف الذي تزمه مع عباءتها على صدرها، محاولة مستحيلة. عبرَها صغير، حملق طويلاً في الوجه السافر، بدا يتقصد قراءة تلك الملامح في الظلام، خطر لها أن تطلب معونته.
"من فضلك أحْملْ هذا الملف إلى بيت عزيزة"، مدّته بيدها.
"عزيزة الباكستانية؟!"
"عزيزة أحمد".
"عزيزة المزيونة؟!"
"قلت لك عزيزة أحمد" بنفاد صبر.
فرقعت ضحكات الصبي، ليتجمهر حوله الصغار، رصدوا ضحكته كذبذبات تعبر الأمطار والبرد والعتمة، فتصفهم حوله في حلقة كبيرة.
"تريد بيت عزيزة ؟! " قال موجهاً حديثه لهم.
"عزيزة المجنونة ؟! "، قال أحدهم.
"نعم عزيزة السمراء"، قال ذات الصبي وهو يتأمل الملف ممدوداً لازال.
"تريد عزيزة الخائنة؟! " تدخل أحدهم.
"لكن عزيزة الوحيدة ماتت"، أجابها.
اضطرب الملف في يدها، خانتها ذراعها.
"عزيزة ابنة النقاشة، ماتت منذ سنة عن من تبحثين؟!" بدا صوته طويلاً بنهاية مدببة وحادة، تنغرس في صدر السماء، أربكها الصوت، القوة في عطفات السؤال.
"واعدتها منذ أسبوع ".
"أسبوع، لكن عزيزة الغبية لم تعد حية"، قالها صغيرٌ يحشر رأسه في تلك الحلقة التي أخذت تتعاظم حولها. وجوههم غارقة بالماء، ولون كالح مقيت، سرا اسم عزيزة كهمهمات تترافق وصوت سقوط المطر في تلك المستنقعات.
"ماذا تقولون؟! "
عادت بالملف حيث تصره إلى صدرها، ينهمر المطر على غلافه.
"لقد شالها السيل فيمن شال! قالوا أنها قطعت لقطع، في كل جرف وجدوا لها يد أو ساق أو قدم! لمَ تسألين عن عزيزة المسكينة؟!"، سألها ذات الصبي الذي مازال يرمق ملفها بريبة وحذر.
بحركة من يده، بدا كقائد في جوقه. أشار لهم لينصرفوا، لينفض الجمع الكبير من وجوه صغيرة. في الظلام، استحالوا خيوطاً هلامية. بقي صوت المطر في المستنقعات ذاتها، أغنية تتردد من داخل السيارة، رائحة التبغ تحيطها بغلالة ، دفع الباب بيده:
"أدخلي يا مجنونة!"
فهد المعدي
عندما كنتُ غضاً يافعاً، كانتْ هي هناك، تمسك بالقنديل. كان دائماً معها، وكنتُ أنا دائماً مع ضوئه الذي لا يخفت، مهما كانت بعيدة، أو كنت أنا الأبعد! حاولت جاهداً، فعلت كلَّ ما في وسعي، كي أنعتق من سطوة هذا الضوء، لكنني في كلّ مرة، أبوء بالفشل، وأحس به يزداد توهجاً وأزدادُ انجذاباً. أصبحتُ مع هذا القنديل كالفراشة، التي ما تفتأ أن تبتعد عن مصدر الضوء، حتى تعود إليه، لتلقى حتفها في ما تظنه نجاتها. يؤرقني هذا الشعور، يملؤني ضعفاً موجعاً، ينخر كبريائي، وأنا الذي أراني بعيداً عنه، صانعاً للقناديل، باعثاً للضوء الذي يهب النجاة لا الفناء. هي أيضا تهب النجاة، ولكن بثمن باهظ، يبدأ بالتسليم لها ولضوئها، وينتهي بأن لا مظنةَ لإنعتاق. تناقضٌ موغل في الغرابة، فكيفَ بها تمنحني النور، فيما هو يشدني، بذات القوة للظلام؛ ظلامٌ أحسُّهُ يسري، يتغلغل في عروقي، بسرعة ضوئها المنبثق من قنديلها! تلحُّ عليَّ نفسي تذكرني بالفَراش. أسمع صوتَها ينبعث من أعماقي، صوتاً عالياً، أرخي سمعي إليه، أنصت له بنهم، محاولاً فك رموزه؛
"توجه نحو الظلام"!
أركز أكثر، أتأكدُ من تهجئة الكلمات، إنها شفرة صوتي، إني أستمع لنفسي لأول مرة، منذ أن ذوَّبني ضوءُها في قنديلها، فمنحتها كلّي قبلَ بعضي.
"توجه نحو الظلام، فهناك ثمة النجاة. تذكّرْ الفَراش، تذكّر الفَراش"!
أصابُ بالغثيان، كينونتي تتضاءل، تتلاشى، يتبقى لها بصيصُ ضوء من ذات القنديل وصاحبته. أجنحتي ضعيفة هشّة، أحاول جاهداً التجديف ناحية الظلام، يصطدم الفَراش بي، يرى وجهي لأول مرة! يزداد تجديفي، كلما أحسست بأفواجها، أبكي من أجلها، أبكي بكل ما في أجنحتي من ضعف. أرفع صوتي عالياً، ألوّحُ لها، علها تسمعني؛
"عودي نحو الظلام، رفرفي بكل قواكِ، لعلَّه ينطفئُ القنديل".
لطيفة الخالد
انتهى الطريقُ بي حيثُ عتبة المنزل،
تلك شمسُ عيد الميلاد. في هذه اللحظة، بدت الأيامُ الماضية تتدحرج، وتقعُ بثقلها فوق صدري،
لم يزهر بريدي حتى الآن، وظلالي كلَّ لحظةٍ يتلاشى من حائط الغرفة. أشعلُ الشموعَ الملونة، كما كنا نفعل.. يا تُرى أينَ يسوقك قلبك هذا الوقت؟!
شيء ما بالعمق، يخبرني أنني بداخلك، أقفز بين عينيك، كلما ابتدأ ميلادُ ربيعك.
أفتش عنكَ، وسط كومة أشيائك، تلك التي علّمَتني كيف يكون الوفاء.. إنها الأشياء التي
ما عدتُ أعتقدُ بأنها مجردةٌ من الشعور، تساندني بشكلٍ عميق، وقد تهديني من بشاشتها الدائمة، ما يسكن فيَّ النداءات ذاتَ الصدى المنقطع.
ها هيَ تقوم بدورها الآن، أجل!
رسالتك الأخيرة، الحاملة موسيقاي التي لا أود الفكاك عن الارتباط بها،
صوتكَ الذي يصلحُ ما افسدهُ العالم.
أسمعك وقلبي يؤلمني؛ هل لأنَّ صوتكَ جاءني بارداً بخلاف العادة؟! أم هل لأنني أنتظرك بارتعاشةِ عصفورة تودّ الاندساس بك؟!
الشوق مؤذٍ، والاعتياد مشاغبةٌ سيئة.
كيف يمكن للمرء أن يصل لمرحلة التجاوز، واستمرارية الوصل رغم ما يحدث؟
قلت لي مرة، أنك ستهرب من العالم وتقترب مني.
أجدني الآن الفضفاضة، أمام ضيق الشرود.
من المسؤول عن فداحة انزلاق العبارات، في هاوية القلب الذي لا ينفك عنها مهما حدث؟
تسربتَ مني، عدا صورتكَ العالقة بين يدايَ الآن.
أستسلمُ أمام المسافة التي رسمتها لنا، لأنني أعلم أننا بذاكرة القلب مندمجان على الأقل،
وأنني أنفثُ شمعتك، كي أعيشَ بعيدة.
الأرجوحة الدوارة
نادين الراجح
شتاء 22 فبراير، يوم الخميس، الساعة 7 مساءاً، مدينة جدة.
كل الأشياء تحتي؛ الأرض، قبعات الباعة المتجولين، أحذيتهم، رؤوسهم، المحلات التجارية، الزهور، الأموال التي حصدوها تلك اللية، حقائب الغرباء، آلات التصوير الفوتوغرافي، الأضواء، المطاعم، المقاهي، قلوب العديد من البشر، أحلامهم، أمانيهم، ضحكات أطفالهم، الشوارع، السيارات، إشارات المرور، الفنادق العالمية، كل شيء تحتي وحدي. كنت أرتفع إلى أعلى، فأعلى، فأعلى، فأعلى، وأبدأ بالدوران كالصوفي، أدور بسرعة متوسطة، معلقةً بالسماء، أراهم أسفل، أحاول أن أرى تفاصيلهم الصغيرة، أفشل في كل مرة، أشعر بخفةٍ عميقة ،كأنني أسبح بصدرٍ فارغ، خالٍ من كل شيء إلا الأكسجين، أتعالى عن كل شيء، حتى عن نفسي المثقلة بهمومها الأرضية، معلقة في السماء، لاشيء يمنعني من الطيران، سوى الكرسي الذي أجلس عليه، مكبلة بقطع من الحديد دائرية الشكل.
الكثير من الأشياء حولي تتساقط؛ الأحذية، القبعات، الأوراق، حقائب البعض.. هذا ما يمكن أن تشعر به، أو تراه، وأنت تركب الأرجوحة الدوّارة، في المدينة الترفيهية. ذلك اليوم، عندما قررت أن أتنفس، ذهبت إلى هناك. كان الهواءُ بارداً، وكانت المرة الأولى التي نتفق بها أنا والسماء على البكاء، كان كل شيء ملبدًا بالغيوم، حتى الروح التي أمتلك جزءاً منها فقط، بينما الجزء الآخر شقَّ طريقه بعيدًا! تخيل أن تصاب الروح بالتّجزء؛ جزء منك هنا في ذاتك، وآخر تبحث عنه لا تجده..
لا أدري متى افترقنا؛ قبل عامين أو ثلاث أو خمس. وقتٌ طويلٌ انقضى، بينما أكنس جراحي التي امتلئتُ بها.
الخميس، حيث اعتدنا أن نلتقي؛ لم يكن كل شيء على ما يرام. كانت كلُّ الاشياء تصل إلى نهايتها. وعندما تصل الأشياء إلى نهايتها، تدرك ذلك! فتبدأ بالتآكل إلى أن تتلاشى.
شقية أنا، تحوم حولي كل المصاعب كما تدور هذه الأرجوحة .
تمطر السماء، فتختلط بالدموع التي تتساقط من عينيَّ.. شريط من الأسى يلتف حول عنقي؛ ماضٍ كئيب لم استطع تجاوزه، حاضر غامض مجهول، ذاكرة بحوزة أحدهم، جسد نحيل متهالك، أحلام لا تتحقق، شيطانٌ يشعل كبريته، فيحرق به كل ما تبقى لي من إيمان!
كفكفت دموعي، استرقت نظرة للأسفل، مازال كل شيء تحت قدمي؛ ضحكات الأطفال، الحقائب، المطاعم، المقاهي، صوت الموسيقى الصاخب يتعالى، عُرْسٌ حقيقي، إلا أن العروس في هذه المرة ستفاجئ الجميع، سيقام الحفل هنا في المدينة الترفيهية، إنه المكان المناسب، سيصفّق الجمهورُ في النهاية للبطل، سيكون مشهدًا رائعًا أن تقفز من هُنا، أن تقفز من هذا العلو، أن ترى كل مآسيك تحت قدمك كما ترى الاشياء بالأسفل!
مالذي يمكن أن يحدث؟ ستتوقف الحياة في المدينة، وستخشع الأصوات، ويسكن كل شيء، سينصت العالم كله، ستكون المرة الأولى التي يستمع بها الكثير من البشر إلى الصمت المخيف الذي يتملكني.. نظرتُ نظرة أخرى، بينما الأرجوحة الدوارة تدور بسرعة. ربما أسقط هناك، في الشارع العام؛ هل سأتألم؟ أم سيتحول جسدي إلى أشلاء، فيتقاسم مع روحي التهشم والتكسر والتمزق؟ لا، ربما أسقط هنا !في هذه البقعة الخضراء، هذا أفضل قليلًا. وقعت عيناي على حافة الطريق الحادة، وعمود الإنارة الطويل. سأتعثر بهما حتمًا وأنا أسقط. استجمعت قواي وقلت لنفسي خمس دقائق وينتهي هذا الألم، هذا الجسد لن تشعري به، ستذهبين بعيداً بروحك، تنجين من هذه الآلام مجتمعة. نعم، نعم، هذا صحيح؛ قلت لنفسي. وضعت يديَّ على الحلقات الحديدية، وبدأت في استخراج الحلقات واحدة تلو أخرى.
وليد قادري
رحيل
أطال النظر بعينيه الخاليتين من أي تعبير، إلى الجدار الرمادي الباهت أمامه، كان في زنزانته يقضي ليلته الأخيرة، قبل الموعد المحدد لإعدامه في الغد، يمر عليه رفاق السجن، يمدونه بالأمل، ينظر إليهم بعينين بلا روح، ويعاود النظر للجدار العاري مجدداً.
تباً للذكريات التي تأبى الحضور في هذا التوقيت، يقلب تلافيف مخه، بحثاً عن أية ذكرى سيئة أو طيبة فلا يجد، وكأن صدمة الموقف أفقدته الذاكرة. تساوى الزمن لديه، فلا الساعة هي الساعة ولا الثانية هي الثانية، يود إسبال جفونه لينام، فيستيقظ في قبره.
مرت الثواني كئيبة، والسويعات كالبرق، معلنة شروق يوم جديد حافل بالحياة لكل من في الأرض سواه، تأمل قرص الشمس بتحدٍّ، وكأنه يريد إعماء عينيه للأبد، فيفقدها أسوة بلسانه الذي صمت منذ فترة، فلا تكاد تسمع له حسّاً.
وسط الجمع الغفير، أدنوه من قاعدة تنفيذ الحكم، أحنوا رأسه وهو يسمع شحذ السيّاف لسيفه الصارم، إيذاناً باقتراب لحظة خروجه الأبدي من هذه الدنيا، تأبى الذكريات مجددا المعاودة، وكأن عقله يحميه من عذاب التعلق بالدنيا ومافيها، جال بعينيه المعصوبتين مجدداً بين الحضور، لا يرى سوى السواد والألم، فلقد آذاها جرّاء تحديقه في الشمس قبل حضوره، عاود تركيز سمعه في محيطه، بعيداً عن صوت السيّاف، علّه يسمع صرخة العفو، أغمض عينيه بشدة وأصمّ كل حواسّه منتظراً، لا يزال متمسكاً بالأمل الواهي، لآخر لحظة يعيشها.
في غمضة عين، شعر بالنصل الحاد يمزق عروق عنقه، انزاح الهواء عن رئتيه، وانقطعت الصلة بين دماغه وأطرافه. انتفض قليلاً، ثم سَكَن للأبد.
شغف
أنا في طريقي لأن أصبح أسطورة، ليس في مجال عملي الرئيسي الذي أمقته من قلبي، ببيروقراطيته اللعينة ومديري النزق وزملائي المتلونين، بل في مجال العمل الخاص بتطبيقات النقل العام الذكية. لقد ساعدتني في تحقيق أهدافي، وصرت أعتمد عليها في مصروفي اليومي، ولم يعد يعنيني الراتب كثيراً. والآن، أستأذنكم، هناك زبون ينتظرني في الحي القريب.
الساعة 8:23 م الركاب 2 الحصيلة 0:
ألقيت نظرة سريعة من خلال المرآة إليها، عيناها حمراوان للغاية، من تأثير البكاء بلا شك، ابنتها الصغيرة نائمة في حجرها، والحقيبة الثقيلة التي اضطررت لحملها وتغيير وضعية المقاعد الخلفية كي تسعها سيارتي ذات الدفع الرباعي، وضع الحقيبة وتلك الدموع يعني شيئين لا ثالث لهما، إما أنها خرجت من بيت زوجها إلى بيت أهلها مصحوبة باللعنات، أو من بيت أهلها إلى بيت زوجها محملة باليأس والخيبات. وصلنا أخيراً، رفضت أن أتناول منها ريالاً واحداً وانتظرت إلى أن صعدت إلى منزلها وعدت للسيارة أبحث عن أي طلب في التطبيق في أي منطقة قريبة.
الساعة 8:56 م الركاب 5 الحصيلة 34 ريالاً:
شبابٌ عابثٌ، احتملت ضحكاتهم الفجة وسخريتهم مني ومن بعضهم البعض، سأتحمل من أجل هدفي الليلة، ولن أدعهم يكدرون علي ليلتي. بقرب إحدى الاستراحات، توقفنا ونقدوني المبلغ بعد أن أقسموا جميعهم بأن الحساب لن يدفعه سواه، وفي النهاية كانت "القطة"، سيدة الموقف.
الساعة 9:27 م الركاب 0 الحصيلة 7 ريالاً:
اضطررت لأن أدفع 27 ريالاً في المحطة، من أجل الوقود وبعض الماء والعصير والبسكويت، لا يهم، سوف أحصل على زبون قريباً، يعوضني ما خسرت.
الساعة 9:34 الركاب 4 الحصيلة 23 ريالاً:
كن خارجات من إحدى الاستراحات في تلك المنطقة، أقللتهم متحاشياً أية نظرات معهن، هذه النوعية من الفتيات إما أن يستميلنك بكلامهن المعسول، ولا يدفعن شيئاً أو يتحرشن بك، طامعات في أي ردة فعل، ليهددنك بها ويتملصن من الحساب، والمرأة مصدقة في مثل هذه الحالات عند الشرطة. لا أريد الدخول في متاهات أخرى، وصلنا إلى وجهتهن، مقهى مختلط يقدم المعسلات، تقدمت قليلاً عن البوابة حتى لا أصطحب معي أحداً من هناك، سبق لي أن أقللت أحدهم وأزعجني بهرائه عن علاقاته النسائية المتعددة قبل أن يلاقي مصيره الذي استحقه.
الساعة 10:02 م الركاب 1 الحصيلة 40 ريالاً:
تكفي لوجبة العشاء لي وللسيارة، ولها النصيب الأعظم لأنها تشرب الوقود، كما نشرب عصير التوت في المواسم. سكون هذا الراكب مريب، أتمنى أن تكون العاقبة خيراً، توقفنا أمام نقطة تفتيش، أعطيتهم اثباتاتي وعضويتي في برنامج التطبيق، حاول الراكب بالخلف الهرب، لكن الأبواب موصدة على وضع حماية الأطفال، هكذا أستطيع أن أقلل من خسائري ممن يتملصون من الأجرة، طلب منه الشرطي هويته فتلعثم، أنزله وصعد به لجيب الشرطة وأمرني باللحاق به، طوال الطريق وأنا أمضغ أفكاري السلبية كمن يمضغ الصبّار، كيف لي أن أعرف أنه مجهول الهوية؟ هل هناك قانون يجبر أصحاب سيارات النقل العام على التحقق من هوية كل من يستقل مركباتهم؟ وصلنا للمركز وبعد تحقيق سقيم، لم يجد الضابط الفخور بنفسه أيَّ دليل على معرفتي بهوية الراكب، فقرر إيداعي في التوقيف حتى الصباح، كي لا أكررها مجدداً، فاتني وسيارتي العشاء، لكني سأعوضها بالإفطار.
الساعة 11:30م:
دخلنا حجرة التوقيف، مع بعض السكارى والمروجين والسارقين. نأيت بنفسي عنهم في الزاوية، ضممت ركبتي وألقيت برأسي عليها. نمت مباشرة، بلا مبالاة للضجيج حولي، ولا بالإضاءة الصاخبة التي تذكرني بالأفلام التي شاهدتها عن تعذيب سجناء الحرب.
الساعة 6:50 ص:
مرت الليلة بسلام، رفضت إفطارهم الذي أصابني بالتلبك المعوي بمجرد النظر إليه، حضر الضابط المتبختر، وقرر إطلاق سراح ثلاثة، أنا منهم بضمان محل عملي، فأنا أعمل ميكانيكياً في إحدى الدوائر الخدمية. خرجت بلا سلام ولا شكر مني، ولا اعتذار من قبلهم.
الساعة 7 ص:
بقي ساعة على الدوام، سأفطر وأمرر بصمتي، ثم آخذ راحة لبقية اليوم لمراجعة البنك. راجعت حصيلتي للبارحة، تبقى معي 70 ريالاً، هو مبلغ جيد، قياساً بالأحداث. أشفقتُ على المرأة وابنتها من دفع الأجرة، كما أن الراكب الأخير لم آخذ أجرتي منه، تبقى تسعة ضحايا هم حصيلتي لليلة، نعم ضحايا، ألم تقرؤونها جيداً؟ هذا هو شغفي في الحياة، التخلص ممن هم عبء على الحياة ذاتها، باستهتارهم وجشعهم وغرورهم. بحكم عملي في الميكانيكا، عدلت نظام التكييف الخلفي بحيث أستخدم غازاً منوماً سرقته من المستودعات، وحينما يفقد الركاب وعيهم أنزلهم في هدوء على بطونهم، وأضع قفازاتي وأجرح جزءاً صغيراً في جانب عنقهم حيث الوريد الودجي، أتراجع قليلا حتى لا يتناثر الدم على ملابسي وأتركه يتدفق في مشهد مهيب، لا يشعرون بالألم وينزفون حتى الموت، ولكوني أسكن في شقة مع رفيق سكني الراحل، والذي استخدمت رقم هاتفه للتسجيل في خدمات التوصيل الذكية، لم يتوصل لشخصي أحد حتى اليوم، أكملت البارحة عدد 87 ضحية، ولن يتوقف العداد قريباً. كنت أعرف أن الراكب الذي معي البارحة مجهول الهوية من تصرفاته، فاخترت الطريق الذي أضمن فيه الالتقاء بنقاط تفتيش، إيداعي التوقيف كان الحجة الأمثل للغياب بعيداً عن أي شبهة تحقيق في موت ضحاياي، كما أني لا ألجأ لسرقة متعلقاتهم بل أتركها معهم لإيماني بالهدف الأسمى، وشغفي الأعظم وهو تخليص الناس من بؤسهم.
لا تخبروا الشرطة عما أخبرتكم، عدوني بذلك، من يدري لعلي أكون سائقكم المقبل.
فوانيس
لم تمضِ سوى عدة ليالٍ، منذ تزوجت .
أرخت كتفيها على عارضة منزلها، متأملة البدر المشعَّ إجلالاً، تتذكر الليالي الهانئة التي قضتها .
ترى ذكرياتها تجوب في عقلها على شكل شريط سينمائي، يحركه خيالها الخصب، في وقت لم يكن للكهرباء وجود، ولم يُسمع من قبل، عن الأفلام المتحركة.
تسترجع ليلة زفافها لابن جيرانها، الشاب الهاديء الباسم، الذي اضطر لمفارقتها البارحة مع صيادي القرية، إثر خبر عن منطقة جديدة في البحر، بها صيد وفير .
تفتقد كثيراً لمساته الحنونة، وكأنها ريشة طائر من الجنة، نظراته التي تذوب في عمقها، ابتسامته التي تضيء الأجواء، ورقَّتهُ التي تضاهي الهواء الندي .
تأملت بأسى في فانوسها العتيق، يتراقص فيه اللهيب كتنين متوهج، يتلوى من النشوة.
تلمح بيوت جيرانها من حولها، فوانيس مشتعلة وأخرى مطفأة .
تبقى فوانيس بيوتهن مضاءة، كما جرت العادة، لحين عودة أزواجهن من رحلات الصيد، فمن أطفأت فانوسها، تنعم بليلة هانئة مع بعلها، الأخريات ينتظرن قدوم أحبائهن، لينلن حظهنَّ من النعيم، ويطفئن الفوانيس!
فريسة النمل
-أخبرني بالتفصيل، بماذا تشعر؟
-هل تخيلتَ سرطاناً ينهش جسدك، وحيداً في غرفة متهالكة، في بلدة نائية، في ديار حرب، إن لم تمت من السرطان، قُتلتَ بصاروخ طائش، أطلقه مراهق يريد استعراض رجولته، وإن لم تهلك من الوحدة، قضى عليك الجوع.
تسمع أصواتاً في الخارج، فتقوم لترى مَنْ بالباب، جنودٌ يريدون غرفتك للاختباء، فترتجيهم أن يتصدقوا عليك بطلقة واحدة بين عينيك تنهي ألمك.
هكذا أشعر؛ ككلب أجرب، في منتصف بقعة رملية تغص بالنمل الذي يتلذذ بتقرحات جلده، في منتصف وادٍ باغته سيل عرمرم يحمل الأحذية والقذارات والقطط النافقة في طريقه، تلاحقه نظرات المارة والمراقبين بين أسىً واشمئزاز، ينتظرون اللحظة التي سيصفعه فيها السيل فيقضي نحبه، هذا إن لم يفترسه النمل أولاً.
كأنني مرآة مكسورة، تحملها عجوز غَرَب حُسنها، تطالعها بعين بيضاء كزبد البحر، ترتعب المرآة فتتشظى، ومع كل شظية قطرة دم مسمومة لا يرتجى منها حياة.
-هل هناك مشكلة بعينها تؤرقك ؟!
-لا.. قليل من هنا وهناك.. لا شيء محدد.
-أظن أنك تعاني من اكتئاب حاد، نقص في ثقتك بنفسك، تشعر بأنك لست كافياً مهما فعلت، هل أنا أقترب مما يدور في بالك؟!
-لا أعلم يا دكتور، لعل الاكتئابَ ذاته يعاني مني.
مفرج المجفل
ضد مجهول
بعد أن أخذَ المحققُ مقاسً الحبل الذي شُنقَ به الضحية، التفت لزوجته القريبة، متسائلاً:
-هل تظنين أن هناك من قام بشنقه؟
نظرتْ لجسد زوجها المعلَّق بإشفاق، وهي تجيب :
-لا أظن ذلك. مؤخراً بعد أن أُحيل للتقاعد، أصبح يفضّلُ أنْ يقومَ بكلّ شيء بنفسه.
مواجهة
عندَ إشارة المرور ..
يمسحُ الطفلُ المعدمُ زجاجَ السيارات، ليراهُ أصحابُها بوضوح.
أعمال منزلية
يتقاطرُ الماءُ من أطراف ثيابنا المعلَّقة على حبل الغسيل.
وحده ثوب أخي الأصغر، بقي في الخِزانة.. تتقاطر من أكمامِهِ دموعُ أُمي.
تلوُث
أحدُنا لم يكنْ يثقُ في الآخر..
كانت الأكوابُ من الورقِ المقوّى، وكانت الأطباقُ والسكاكينُ من البلاستيك.
تفريغ
لأجل صرخة،
أذهب لمدينة الألعاب، وأصعدُ العربةَ الأولى من القطار.
سامي المطيري
-لا يمكن أن أتظاهرَ بالقوة، أكثرَ من ذلك.
-اختر نوعَ الحياة التي تنتصرُ لك.
-أنا لم انجح في أي شيء، أكثر من جعلها تهزمني.
لن أموت اليوم، لكنني لا أشعر أني بخير الآن.
في الجانب الآخر مني، تقفين هناك، أنتِ أيتها الحياة، مع أشياء لا يمكنها أن تكون ضدكِ، ومن السهل جداً أن تصبحي حبيبة أحدهم بقصيدةٍ ما، لكنكِ تتمنعين بكل ما أوتيتِ من أنوثة، ليظل الوصول إليكِ غير متاح أبداً، وأنا وقلبي نملك أشياء لا قيمة لها إلا معكِ، وإن لم تأتِ، ستنهشني هذه اللحظات من دونك، وتبقيني بلا قيمة، عاجزاً عن الاحتفاء والاكتفاء، ولا أدري من أين لكِ هذه الجرأة لتتراقصي مع قصائدي في حضوري المجوف، حيث أكون مدخلاً وممراً ومخرجاً للوقت ليس إلا، أكتفي بمشاهدتكما معاً من دوني! ولا أدري كيف يجعلك غيابي عنكِ، تتمردين لوحدكِ مع الحب! أذكر في طفولتي، كنت أتعاطف مع الشعر.. هذا الشيء الممطر من الداخل، والذي لا يترك أثراً لبللٍ ما على الملامح. هذا الشعر، كإطار لفرحة الأطفال حينما ينهضون في الصباح، وهم يكبرون الأمس بيومٍ واحد وحلم. وبطريقةٍ ما غامضة، انفصلت مبكراً عن هذه المرحلة، وكأن من هو طفل ليس أنا، إنما طيف ما، أتى ليقوم بدوري، بينما كنت منشغلاً بعكس سياسة النمو، فانتظرتكِ أولاً، وامتلئت بكِ. والآن، أكتب الطفل الذي كنته، شعراً .
***
الذكريات، التي ربما قد تُعدُّ كماً، ولكنها لا تُحصى كيفاً، قد تآمرت مع الحياة عليَّ، في كل مكان، منذ أن حاولت إتهام الحب وتبرئة قلبي،
كل خطوة أعثر عليها لا تؤدي بي إلى الأمام، وبكل مرة أقول فيها لنفسي: سأجرب هذا اليوم مالا أعرف، لأنتصر ولو ساعة واحدة، على حرب الأيام، فتقايضني رغبتي بالكتابة، مقابل أن أُلقي بسلاح التجربة، وأقبل. تحديداً أستسلم!
أحمل معي سراج الفكرة، وأدخل إليّ. سرت في البداية بممرات ضيقة، حبات الأكسجين تختنق بها، وتموت قبل أن تخرج! لستُ بالمكان الموحش، ولكن من الواضح أنه لا آثار للبهجة بمفهومها البسيط المتسرب إلى الروح، ويبدو أن ما كان ينتابني، هو مجرد فرح على مستوى سطح الجلد! وكلما سرت إلى الأعمق، أشم رائحة قلبي الأول، الظلام كان ناعماً هناك، كدت أتعثر بأحد أهم الأسباب الخفيّة لسقوط النفس البشرية؛ "الحنين"، هذا الشيء الذي يصل إليه نورٌ مصفّى من حيث لا أعرف، التصقنا كما لو كنا المشهد الأخير الذي تصوره المصادفة، يجمع بين الحياة والموت معاً، والكثير من المطر داخل الجسد.
***
مطرٌ هنا، وجسدي يغرق، روحي ترشي النجاة المزعومة، لتطفو معها. أليس من السخرية أنك وأنت تغرق، تشعر بالعطش، وروحك التي في الوقت الذي يجب أن تكون قد احترفت الطيران، تتعلم الآن السباحة؟! لا فرق، هي تغرق في الهواء، وأنت تغرق هنا في جسدك على الأرض، يحاصرني الحزن الآن، كما حاصر السياب في قصيدته الممطرة. كل الأشياء قد تتكرر، إلا الحزن. في كل مرة يأتيك، كأنها زيارته الأولى لك. إلى أن يجلس أمامك، تظن أنه مجرد صفقة عاطفية، لن تكلف الخاسر فيها سوى النسيان. كالمعتاد، لا أنا ولا النسيان فيما بعد، نستطيع أن نهزم هذا العتيق، إبن الوجع المدلل، شيطان المشاعر، أول من وسوس لشعراء، وأوقع بينهم وبين الحب، حتى كفر هذا الأخير، بما كُتب وبكل ما سيُكتب، وهو أقسى من رَمَّلَ أفئدةَ النساء، وهو أيضاً أول دُفعات الموت الميسرة، يكمل تفتيشه، كما لو أنني سرقته، ثم ينهض بعد أن أتم عبثه، قائلاً: سأعود إليك بتوقيت قلبك!
نهضتُ مشدوهاً، كمن تعرَّى الموت أمامه، لكي يرى الآخرة. بكيت حينها كثيراً، وأنا واقف، لم يتحرك بي سوى قلبي الخائف المترقب. مشيتُ قليلاً بعدها، نحو الوصول لآخري، وأنا أُغني، حتى أوقظ الكلام والحمام. استعرت شهوتي للغناء، إلى أن نبت في دمي الورد، ركضت بكل الاتجاهات كالذي لا يُرِيد أن يتأخر عن الحياة، وصلتُ إلى خيالي سالماً من الواقع ، وسأحلم من جديد، كيف يمكنني أن أُبقي قلبي طفلاً؟ لا أريده أن يُكبر، فهذا النمو يُفْسِد الأشياء ويُخرجها عن سياق عفويتها وجوهرها. سأحلم، لأن الحلم يضمن لك خيار البقاء على قيد الأمل، وهو من أدوات الصيانة اللا إرادية للإنسان. قلت، وهذه المرة بصوتٍ ينحدر من أصول الروح: كن طفلاً يا قلبي، أكبُر في القصيدة، وأثمر في القافية.
***
مؤذية بعض الأوقات التي تُقنعني بأنها فرصٌ لتمنحني بدايةً جديدة لا أحتاجها، كثيرةٌ هي البدايات العالقة معي، و كم هو ساخر وغريب أن تستغلك الفرص لتُثبت وجهة النظر المؤذية، التي تبرهن لي أنني لا أستطيع ولا أعرف كيف أُنهي ما بدأني، أو العكس الصحيح هنا دائماً. كلمة فقط، هي سر انهياري دفعةً واحدة: "أنت عالق"! أيمكن لسبعة أحرف، أن تجعل مني أضحوكة؟!
سبع رصاصات من أحرفٍ تصوَّبُ إليّ بكل تقليدية، وأنا لا أطلب إلا إبتكاراً لحالة السقوط، حتى يُوظفُ فيها الخيال العاطل عن العمل، ويشاركني في دور المتهم الضحية. من الجميل أن تكون آلامك شاعرية بسيطة، لا توقظ قلبكَ حين تمر به، إلا أنها تترك آثاراً، دماً على الذاكرة، ضيقاً بالمكان، رائحة بكاءٍ مالح نقص في وفرة الحياة، مرضَ انتشار الشعور المُفرغ الذي لن تُشفى منه، ألمَ أن لا تُطعِم قلبك .
ليت لي القدرة على قضم الوقت كتفاحة، مع الموهبة الكافية لاستثمار المأساة على الرصيف، وبيع أشيائي التي لا أظن أنها ستكون مهمه لأحد، إلا لرجلٍ أراد أن يكون شاعراً، لكنه أنشغل بحبٍ ليس له، وأحترف بعدها التسكع بالهاوية "تجميل الخراب"، وأنا في رحلة الجسد والروح، وسفري حول نفسي، مصطحباً العالم معي، أدركتُ بأننا مجموعة متنافسين، وكلٌ منا يختار بانانيته الواقعية، حقيقته الخاصة. وفِي الآخِر، سيعلن القدر مَنْ الذين انهزموا بكل عدل، ومن الذين انتصروا بكل تواضع! نَحْنُ هنا، إما أن تكسب ما تود أن تملكه، أو أن تخسر ما تتمنى أن تكسبه. حقيقة سيُرفع عنها الستار يوماً، لتُكشف لك قائمةُ ما كسبت وما خسرت، ولا يوجد منطقة رمادية أبداً. أخذتُ أحاول جاهداً محاكاة هذه الحقيقة، وصُنعتْ لي قائمتان؛ أسميت الأولى واقعي، والأخرى أحلامي. وحين بدأت بالتدوين، أحترتُ في كيفية التصنيف، واتفقتُ بتواطؤٍ مع اللغة، أن أُدون نفس الأشياء في كل القائمتين، لأن ما كسبته ،كان يمكن أن أخسره بطريقة جميلة، مما يجعلني أبدو خاسراً جميلاً، وأن ما خسرته، كان يمكن أن أكسبه بطريقة تجعلني أبدو فيها منتصراً فاتناً.
قلت بعد هذه المؤامرة الحسناء: سأتصدق بهذه الورقة للبياض، قرباناً للشعر .
***
يأتي من البعيد.
من جهة تلك الأشياء التي لا تُقرأ ولا تُكتب!! يقف أمامك ليلقي تحيةً باردة لقلبك المشمس، وتبادله أنت بابتسامة عطشى، تكمل طريقك بعفوية أقل، لينتقل هو ويسير بجانبك، فأحدكما يستعجل اللحظة، بينما الآخر يهتّمُ ألا يتعثر. أصبحتما صديقيْ المسافة وكلٌ منكما ينقص ليملأ الآخر، وبعد شعور طويل وامتنان بالوصول، تتقابلان كثيراً، بأماكن عامة، بمواعيدكما الخاصة.. الآن:
من هو الحب، وكم هو أنت؟ هل أبدو لك غريباً أم عاشقاً؟
-تبدو أنك بكل الأحوال، لم تعد تفرح، ولن يستفز قلبَكَ الحزن من جديد!
كان لابد أن أختار.. الحب أم الحياة!
-الأكيد الواضح، أنه قد تم اصطيادك.
بينما كان يتحدث هكذا عن الحب، وفِي منتصف قلبه، توقف وبلا دهشة، وبكثير من الحزم، قال:
-على أحدنا أن يكون شجاعاً.
وصمت. كأنه فقد القدرة على الكلام.
أشعر دائماً أن رجلاً ثرثاراً يتظاهر بالحكمة.
التفاصيل هي العصافير التي يجب اصطيادها جميعاً.
خمس قصص
نورة الغنامي
اصبعي الحادي عشر
صحوت هذا الصباح، واكتشفت أن لي أحد عشر اصبعاً.
قبل أن أنام، كنت أمتلك عشرة أصابع، ضمن كفين صغيرتين. كانت جميلة، أما الآن فتبدو غريبة بأصبعها الزائد.
أتأمل إصبعي الحادي عشر بذهول.
المضحك والغريب في آن واحد، هو أن الإصبع الجديد الضيف -لا أعرف فعلاً إذا كان ضيفاً أو سيلازمني لبقية العمر-، يتوسط السبابة والإبهام.. هذا هو الغريب، أما المضحك فهو أنه مطلي بنفس لون طلاء أظافر بقية الأصابع!
اعتصرت ذاكرتي بحثاً عن آخر نشاط مارسته، ويحتمل أنه له علاقة بما حصل، ولكنه كان يوماً سابقاً اعتيادياً، غفوت فيه في فراشي، وأنا أتابع مقابلة تلفزيونية ل "السيد ميم".
لم أعرفكم على السيد ميم! هل من الضروري أن أعرفكم به، في ظل ظروفي غير الاعتيادية هذه؟!
هجس في داخلي هاجس ما.. "لربما للسيد ميم علاقة"!
اتصلت به، كان في اجتماع الأسرة الذي تحضره عادة طليقته بحكم قرابتهما. كان هناك صوت نواح امرأة، يتناهى إلى سمعي حيناً ويختفي حيناً.
بدا صوته منزعجاً، بعد تحية عاجلة:
-سأتصل بك لاحقاً، يحصل شيء غريب، هنا ولا نعرف كيف نتصرف.
-وأنا أيضاً يحصل معي شيء غريب.. لقد..
-ياسمين.. اسمعي.. "أم فلان" -طليقته- في حالة هستيرية.. لقد أختفى أحد أصابعها
فجأة!
فداحة
عزيزتي لينا..
أكتبُ لك بعد مرور 40 عاماً على فراقنا..
إنا في حديقة منزلي، حولي أولادي وأحفادي.. لقد أسست عائلةً رائعة..
حياتي هادئة.. زوجتي مخلصة..
لكنني تمنيت لو أنني قضيتُ هذه الأربعين عاماً معك..
ليتني على حجرك الآن..
لقد أفنيت حياتي بعيداً عنك..
وللتو أدركت فداحة ذلك، بعدما تغضّنَ وجهي وأحدودبَ ظهري..
إنني أفتقدك جداً.. ياللهول..
الثعبان
تلتفُّ الحروفُ حول عنقي كثعبان جائع..
أحس بنعومتها وإحكامها المتدرج بالقوة والخبث، على عنقي..
بالكاد أتنفس..
إني أختنق..
أكرمش بعصبية "صك الطلاق" الذي بعثه ابن عمي لوالدي، بعد انتظار أربع سنوات لليلة زفافي لرجل لم أره يوماً، ولكنه أحتجز من عمري ثمانية وعشرون عاماً -هي بالأصل كل ما أمتلكه من سنوات في هذه الدنيا ال ( ... ) أوه لا أريد أن أصفها، فأقع في الكفر-، حيث أصبحت محجوزة له منذ ولدت..
هو الآن يدرس الدكتوراه في أمريكا..
وأنا أدرس خيبات قلبي، وألملمها جيداً..
أنا -البكر غير المدخول بها- في تصنيفات الطلاق، التي تتنوع حسب حالات جسد المرأة، بينما لا تصف الرجل على الإطلاق!
-سارة ال ....
28 عاماً، مطلّقة.
رفيقتي الصغيرة
أعتدت كل مساء، الذهاب للحديقة المجاورة لمنزلي، مصطحبة كتابي وقهوتي..
كانت لي رفيقة صغيرة، أراها كل يوم هناك..
طفلة واسعة العينين، بنظرات خجولة خائفة، تتأرجح معظم الوقت، وتلهو بالرمل في البقية الأخرى، حتى يحل الظلام، فترحل وأرحل..
شيئاً فشيئاً، صرت اقترب منها، وأتحدث معها..
في بعض الأوقات، حين تخلو الحديقة من الزوار، أتمدد على الرمل وألهو معها..
كانت تمتلك شامةً جميلة مميزة الشكل تحت فمها، تزيد جمالها ازدهارا ًكلما ابتسمت، فيتناسق جمال ابتسامتها مع جمال اسمها؛ "غدير"..
كنت أراها كل يوم، على نفس الأرجوحة، وبلا مرافق بالغ معها، حتى يحل الظلام، فتأتي مربية آسيوية، لاصطحابها للمنزل..
ذات يوم راودني القلق على وحدتها الدائمة، في زياراتها المتكررة، فحاولت أن اسألها عن مكان منزلها. أشارت إلى ناحية منزلي، فعرفت أنها لابد، ابنة لأحد الجيران..
وشيئاً فشيئاً، أصبحت غدير إحدى جماليات حياتي ..
صرت أقرأ لها، وأنشد لها، وأقص لها القصص، وأجلب لها بعض الهدايا، من فترة لأخرى..
ذات مساءٍ محمل بالرذاذ الخفيف، خرجت غدير من الحديقة مع مربيتها كالعادة..
فجأة، سمعتُ صوتَ ارتطامٍ على الأرض..
ارتطم قلبي معه.. خرجت راكضةً للشارع، فكانت غدير ملقاة، بلا حراك..
وحيدة، بعد أن ارتطمت بها سيارة وهربت.. ويبدو أن لا أحد مهتم، فالشارع خال، والمربية غير موجودة..
طلبتُ الإسعاف، ثم صرت أحاول إفاقتها بلا فائدة، فلقد كانت بلا نبض..
ماتت غدير.. هذا ماحصل.. ليس بيدي حيلة..
تأملت في وجهها باكية.. العينان، الحواجب، الفم، كلها تذكّرني بشخص أعرفه، أعرفه جيداً..
تلك الشامة، لا تتكرر في شخصين أبداً..
شهقت! تذكرت كلام زوجي لي: "لديك شامة هاهنا -يشير إلى تحت فمي-، تميتني ثم تحييني".
سحبتُ مرآة الزينة من حقيبتي، نظرت؛ الفم، الشامة، العينان، الحواجب، يا إلهي.. إنها أنا!
كان جسد غدير المسجى في الشارع حينها، قد أختفى.
من داخل غيمة
اسمي تغريد..
لست فتاة طبيعيةً، بالمعنى المتداول للطبيعية، إذ لم أولد من رحم أمي، بل سقطت من داخل غيمة ماطرة ربيعية، في حضن وعاء مائي كبير يحوي آلات موسيقية جمة، فوجدتني عائلتي الحالية في هذا الوعاء، ضمن نطاق مزرعتهم الجميلة، التي أعيش بها للآن..
الغريب في الأمر كله، أنني حين سقطت من غيمتي الأم -إن صح التعبير- كنت صماء ، حتى بلغت الثلاثين..
في عيد مولدي الثلاثين -أو عيد سقوطي السماوي بالأصح- استيقظت على ضجيج في أذنيَّ؛ مهلاً.. لم يكن ضجيجاَ.. إنها ما تسمى بالأصوات، وهي جميلة، رائعة، مذهلة، لا أعرف كيف أصفها، لكنها تسللت لداخلي وغمرتني غمرتني، حتى سقطت سكرى.
مرَّ الوقت، واستيقظت!
كانت والدتي واقفة على رأسي، تمسح شعري ويشع من وجهها نور جميل:
-تغريد.. استيقظي.. حان الوقت ياعزيزتي.. لتبدأ معزوفتك.
حلم الفراشة
سامي المالكي
(1)
"رأيت في منامي أني فراشة، ثم استيقظت وأنا لا أعرف،
هل كنت رجلاً يحلم بأنه فراشة،
أم أنني فراشة تحلم بأنها رجل".
جوانغ زي
كنت أعلم أن هناك شيئاً ما يجري بالجوار.
كنت أبحث باستمرار عن ثغرة في ذلك النظام المحكم، لكن كل شيءٍ بدا وكأنه مثالي، الشمس تبزغ كل صباح، النجوم تتعلق بالسماء في الليل، الجميع يولدون أطفالاً، الجميع يشيخون، الجميع يموتون في النهاية، لا استثناءات، لا أخطاء، لا مجال للشك. خمسون عاماً وهذا العالم يخفي أسراره عني. المطر يتساقط على الأرض بغزارة دون أن تفيض. النيازك تعصف يمنة ويسرة دون أن تفتك بنا، والشمس لا تفكر ولو لمرة أن تحرق وجوهنا. الأعوام تمر مسرعة والجميع لا ينتبه أن اليوم قد زاد جزءاً من ألف جزء من الثانية منذ وُلدت.
كان الجدار محكم البناء، والجميع سعداء بذلك، يتحاربون لأنهم سعداء، يسرقون، يقتلون ويُقتلون، ثم يبنون أمجادهم التي يعلمون أنها حقيقية، حقيقية جداً إلى درجة الحزن. كانوا مستسلمين، نعم تلك هي الكلمة المنشودة، مستسلمون، ليس هناك ما يدعو للخوف، حتى وإن بدت الأمور تتجه نحو الفوضى، إلا أنها فوضى بسيطة، لن تسقط السماء فجأة ولن تختل نظريات الفيزياء، أسوأ ما يمكن أن يحدث حدث قبل ٥٠٠ عام، عندما عرفنا أننا لسنا محور الكون، وذلك بالمناسبة شيء لا يدعو للقلق على الإطلاق، فنحن لا نزال الجنس الوحيد المهيمن على كل شيء، وحتى لو ظهر جنس آخر، فلا مبرر للقلق أيضاً، كل شيء على ما يرام.
لكن لماذا ذلك الطنين المفزع المتقطع الذي يقرع رأسي، عندما يخلد الناس للنوم؟ لماذا نصف قرن من البحث عن اللا موجود، ولا يزال السر بِكراً كما بدأ، ولا يزال القلب يهتز انتظاراً.
كنت أعلم. فنحن حين نشاهد أفلام الرعب لا نخاف من الضجيج، بل نخاف من الهدوء، تعلّمنا أن ننتظر تلك اللحظة القاتلة بعد كل لحظات الأمان الزائف. وهنا يا صديقي، عشنا الكثير من لحظات الأمان الزائف، ولابد أن قفزة الرعب آتية في أية دقيقة، ما علينا سوى الانتظار. لكنني لم أكن أحب الانتظار، فانتظار الموت أسوأ من الموت.
"يا رجل، دع عنك هذه الأوهام، لقد أضعت العمر وأنت تبحث عن سراب "، قال لي صديقي الوحيد.
"ولكن، ربما نحن نعيش أكذوبة كبرى، أكذوبة لن نكشفها أبداً حتى نهرب منها، ولن نهرب منها حتى تهرب فينا، وحتى لو فعلنا، فلن يصدقنا أحد".
"لن يصدقك أحد".
"هل أنت متأكد أنك أنت، هل أنت متأكد أن ماتراه هو ما يحدث فعلاً؟ هناك شيء يحدث بالجوار، أكبر، أكبر بكثير مما يصنعه لك عقلك".
(2)
"لا ترحل بهدوء في تلك الليلة الجميلة،
اغضب، اغضب، في مواجهة موت الضوء!".
ديلان توماس
لم تزقزق العصافير صبيحة ذلك اليوم.
كان شبيهاً بأي يوم آخر، لكنه بدا أوضح، نعم كان صافياً، واضحاً وشديد التركيز كحلم فاحش. بدا ذلك اليوم مشمساً أكثر من المعتاد، النور كان يتسلل من بين أصابعي المغلقة، كنت مستعداً، ولم أستطع أن أقاوم رغبتي الملحة في معرفة الحقيقة. حزمت أمتعتي ولبست قميصاً خفيفاً وبنطالاً رياضياً واسعاً، وبدلاً من أن أفتح الباب، فتحت نافذة شقتي التي تعلو سبع طوابق، وقفزت. يا له من يوم رائع للموت.
أليس غريباً انه لا يفصلنا عن الموت سوى ثانية واحدة؟ في ثانية تكون في غرفتك الهادئة الآمنة، وفي الثانية التي تليها تكون ميتاً على الرصيف. في لحظة تكون منطلقاً بسيارتك على الطريق السريع، وبانعطاف خاطئ وحيد تكون في صفحة الموتى، أيعقل أن يكون الموت قريباً إلى هذا الحد، ثم نخاف منه؟
نظرياً، كان من المفترض أن تأخذ رحلتي المجنونة أقل من ثانية، لكن لسوء الحظ، الثانية التي توقعت أن تمضي مهرولِة، أخذت أكثر بكثير من ذلك، كانت الأبدية بالنسبة لي. استطال الوقت حتى بتُّ أستطيع مشاهدة كل شيء من مكاني، كنت كطائرة درون تلتقط أدق التفاصيل، بالطبع رأيت وميضاً يروي تفاصيل حياتي وكل ذلك الهراء الذي قالوه لنا، لكني لم أرَ ضوءاً في نهاية النفق، ولم أرَ النفق. رأيت غمامة سوداء تقترب مني وتبتلعني، وبدا كل شيءٍ بطيئاً كساعة رملية، وعندما وصلت الأرض، كنت واقفاً بكل ارتياح. التفتُّ يمنةً ويسرةً فلم أجد أحداً، وكأن الأرض قد خلت من البشر، هكذا هو الموت إذن؟ لا يمكن أن يكون بارداً إلى هذا الحد، ربما أنا في غيبوبة والأطباء يحاولون إنعاشي الآن، أو ربما كان الموضوع برمّته حلماً سخيفاً، رغم أنني أشعر بكل شيء وكأنه حقيقي، لا يمكن أن يكون الموت رحلة هادئة وفارغة من أي معنى، إن في ذلك انتقاصاً كبيراً من قدرنا.
لم يطل حنقي كثيراً، فقد كان يركض من بعيد متجهاً نحوي، رجل يرتدي السواد ويبدو كمن فاتته رحلة القطار:
"آسف يا صديقي، لقد تأخرت عليك قليلاً، فقد كنت عائداً للتو من جنازة أخرى"، قال وهو يلهث.
"جنازة؟ هل أنت ملك الموت؟"، قلت مرتعباً قبل أن يجيب محاولاً طمأنتي: "الموت؟ لا وجود للموت يا بني، أنتم فقط تنتقلون من ضفة لأخرى".
"إذن من تكون؟"
اقترب مني، وهو يطبق على فمي ثم همس: "أنا أنت".
(3)
"هذا العالم نُشيِّدُهُ فينهار،
ثم نُشيِّدُهُ ثانية،
فننهار نحن".
راينر ماريا ريلكه
كانت المكائن العملاقة تعمل بكل إتقان. رأيت العمال عابسي الوجوه، وهم يصبّون القوالب لبناء أجسام جديدةٍ تستعد لدخول عالمنا الزائف، وكانت الأرفف متراصة فوق بعضها البعض حتى الأفق، وبجانبها كان عمال آخرون يعجنون عجينة شفافة رقيقة ويحقنون بها كل قالب، فيتورد الجسم وتدب الحياة فيه، ثم يرسلونه بعيداً.
كنت أنظر بذهول بينما يقف رجل السواد بجانبي ويشير إلى بعض القوالب:
"وهنا يقوم العمال بصنع شخصيات عالمك، كل من تعرفهم ومن لا تعرفهم يتم صبّ قوالبهم وتجهيزهم عبر هذه المكائن الكمومية. لقد صنعنا مائة ألف نسخة فريدة من نوعها في عالمك، وعلى أية حال فقد أقنعناك أن البشر يتجاوزون سبعة مليارات نسمة، يا للسخف، لست متفرغاً لهذه الدرجة، لا تنسَ أن لدي عوالم أخرى لأهتم بها!"
"ولكن، ماذا تهذي، هل هم جميعاً غير حقيقيين؟"، تساءلت والرعب يغزوني.
"حسناً، يؤسفني أنني أنا الذي يخبرك بذلك"، وأردف رجل السواد وهو يهرش رأسه: "لقد تأثرت مجدداً، في المرات القادمة سأجعل أحد العمال يخبرك، يا لحساسيتي اللعينة".
"لا بد أنك تكذب، لقد عشت كل شيء هناك، هناك وُجد كل من أعرفهم، أمي التي لم أحبب أحداً في العالم كما أحببتها، صديقي الوحيد الذي شاركني طفولتي وشبابي وهَرَمي، أطفالي الذين لا زالوا هناك في ذلك العالم الذي أخذتني منه يا عديم الرحمة، يا للهول، وحبيبتي التي اختطفتُها اختطافاً من الجميع وتزوجتها بعد قصة حب أسطورية سيخلدها التاريخ من بعدي."
"أي تاريخ أيها المسكين، ألم تصحُ بعد؟ لا يوجد تاريخ، كل ذلك كان أكاذيب ابتلعتها ببلاهة، هل عشت ذلك التاريخ؟ إنك تقرؤه فقط في الكتب التي صنعناها لك، وفي المشاهد التليفزيونية المجهزة مسبقاً".
"وأنا، من أكون؟"
"أنت أنا، كما أخبرتك، ولكنك مجرد نسخة بشرية حمقاء مني، لقد صنعنت لك عالماً كاملاً، إنه عالمك أنت أيها الشقي، فقط لو أنك لم تتهور وتحاول ارتكاب ما تسمونه انتحاراً"، قالها ضاحكاً قبل أن يكمل: "ولكن لا عليك، سنرسلك إلى عالم جديد بعد أن نطهّرك من كل ذكرياتك، لن تعلم مدى التعاسة التي ستلحق بك لو تعلقت بأناسٍ ليسوا في عالمك، وأرجو ألا تخذلني كما خذلتني خمساً وخمسين ألفاً وسبعمائة وثلاثين مرة سابقة، إنكم لا تتعلمون أبداً أيها الحمقى!"
"الحمقى؟ هل تقصد أن هناك أشخاصاً حقيقيين غيري؟"
استدار رجل السواد وأشار إلى آلة عملاقة خلفه: "تستطيع أن تقول ذلك. هنا نصنع العديد من النسخ منك، أو في الحقيقة، احم، مني أنا، ثم ننشئ لكل منها عالمها الموازي الخاص بها، في الحقيقة هناك مائتان وثلاثون نسخة مني، وهذا أقصى عدد استطعنا صنعه حتى الآن"، ثم أشار باستغراب لغمامة سوداء لم أستطيع رؤيتها وهو يصرخ بغضب بادٍ: "من الذي صنع هذه القذارة أيها العمال الملاعين؟! أزيلوها على الفور، سأقتلكم وأستريح منكم ولكن بعد أن أنتهي من إرسال هذه الأبله إلى عالمه الجديد".
"أرجوك، لا أريد الذهاب إلى عالم جديد زائف، فقط اجعلني مثل هذه القوالب عديمة الروح.."..
".. التي لن تتعذب لأنها لا تملك أحاسيسنا نحن البشر إلخ إلخ إلخ، لقد قلت لي هذه الجملة في جميع المرات السابقة، وقد بدأت بالملل منها، يبدو أنني سأقوم بتلقينك جملة استرحام جديدة!
"ولكن .."
"حسناً، يبدو أنك لن تتعلم أبداً"، والتفت إلى بعض عمّاله: "خذوه وأرسلوه للمطهر ريثما يتم تجهيز عالمه الجديد".
كنت قد استسلمت إلى مصيري المحتوم، قبل أن تسدّ الغمامة السوداء الأفق، وتلتهم قوالبه وآلاته وعمّاله الذين تلاشوا أمامه.
وقبل أن تبتلعني، سمعت رجل السواد يصرخ:
"لا أريد أن أموت!"
(4)
"..............."
كنت أعلم أن هناك شيئاً ما يجري بالجوار..
أكتاف مُجنّحة
دانة الغامدي
مظهر لوح أكتافي مختلف عن باقي البشر، يبدو بارزاً، وكأنًّ سجيناً تحت جلدي يريد التّحرّر. ذهبت لعجوزٍ مختصّة في الطّب التّقليدي، وقالت إنّي مصابة بمرضٍ يسمّى "الكتف المجنّح"، وإنّ السّبب وراء إصابتي به هو أنّي ارتكبت خطيئةً في حياتي السّابقة. أنا أجهل ما فعلته، وما كنت عليه في حياتي السّابقة. نمت وكلُّ ما بداخلي يصرخ على عقلي، على أمل أن أتذكّر خطيئتي التي كانت السّبب وراء تلك الأكتاف المجنّحة. عندما استيقظت في اليوم التّالي، اشتهيت شاياً صينياًّ أسود، مع أنّي لم أحتسيه من قبل. خرجت لشراء أوراق الشّاي، ومن ثمّ عدت للمنزل. قمت بغلي أوراق الشّاي بكلّ هدوء، وفور انتهائه، سكبت الشّاي في كوبي الأبيض بكلّ حذر، وامتلأ المكان بصوت انسكابه الرّقيق. كان مظهر الكوب أمامي مع سواد الشّاي وكأنّه كسوف شمس بين يدي. استقرّيت على الكرسي الخشبي، ووضعت الكوب على الطّاولة. رحت أتمعّن السّواد الحالك في ذلك الشّاي، ونظرت من خلاله وكأنّي أنظر إلى بئر سحيق. فجأةً، أحسست بمدى عمق حياتي السّابقة، واندفعتْ قوّةُ إرادةٍ غريبةٍ إلى يدي لكي أحمل ذلك الكوب، وأتذوّقه. كنت قلقةً، وأخذتْ ضربات قلبي تتصاعد للخارج، مع أنّ مادّة الكافيين التي يحملها الشّاي لم تدخل جسمي بعد. وأخيراً، لامستْ شفتاي الشّاي. تخدّر لساني من شدّة مرارته، وراح ذلك المذاق المرُّ يركض بجموحٍ لعقلي، ويذكّرني بما نسيته من حياتي السّابقة. عرفت تلك الخطيئة التي كنت أسعى وراءها في حياتي السّابقة. كنت مجرّد فتاة في العقد الأوّل، وبسبب طهارة ذلك القلب الصّغير الموجود بين ضلوعي، امتدّت تلك الألواح الكتفيّة التي أحملها وراء ظهري، فتحوّلت إلى أجنحةٍ أطير بها عالياً، وبها أعانق عنان السّماء. كانت هبة من الرّحمن لكي أساعد المستضعفين في الأرض. وبسبب تلك القلوب السّوداء والعيون الحاقدة، وقعت في فخّهم الخبيث، وانكسرتْ تلك الأجنحة البريئة الطّاهرة، وتلوّثتْ بدمائهم.
مها عسيري
لديّ ابتسامة
أعلنتْ أمي بوظيفتها الجديدة اقترابنا من الموت، كانت تقول دائماً أنه سيأتي، ويبدو أن هذا الانتظار الذي طال لم يعجبها، لذلك قررت حملنا جميعاً إليه، فأصبحتْ "مغسّلة موتى".
منذ ذلك اليوم بدأت علاقتي بالموت، حين أُستُدعيتْ أمي لتغسيل أول ميّتة، حلّت صاعقةٌ ببيتنا، كنت أرى الجدران تتمايل متكاتفةً معنا في المصاب الجلل، هالني أننا بلا حماية، احترق الحنان الساتر للخوف تحت اللحف، وصرنا في العراء.
حاولتُ أن أُثني أمي عن الذهاب:
-لماذا أنتِ بالذات؟ أليس لديهم غيرك؟
كان الكلام قد قُطع بيننا، منذ فجّرتُ هلعي صراخاً في وجهها، يوم إعلان قرارها، لذلك بقي صوتي وحده يحوم في الهواء إلى أن سقط.
عندما عادتْ أمي، رأيتُ في وجهها شيئاً سمح للجدران أن تستعيد اتزانها، لكنه لم يكن كافياً لأن أجلس بجوارها، فبقيت بعيدة بما يكفي لسماع حديثها مع أختي.
-كانت في العشرين، ماتت في حادث سير.
حوقلت أختي، حضّرتْ عشاءً لأمي ثم ذهبتا للنوم.
لم يعجبني هذا المسار للحدث، كيف له أن يكون طبيعياً هكذا، لذا أمضيتُ الليلة أبكي، فربما في بيت الفتاة كان الأمر طبيعيا أيضاً، بكيتُ وحدتها المفاجئة، والأيام التي لن تكون فيها، بكيتُ تكفيراً لشرِّ أمي وأختي.
عندما استيقظتْ أمي فجرًا، كان الوقتُ الذي أمضيته نحيباً قد تركَ أثره واضحًا، وكان كافيًا لأن ينتهي خصامنا، مضت أمي تحدثني قرابة الساعة عن حتمية الموت، فصرت في هرب دائم، رغم أنني صدقت يقينها الذي نفى المخابئ.
ولأن الموت لم يكن إلا في الأحاديث التي تسردها بعد عودتها، فقد اجتهدتُ في إشغال نفسي عنها، وكفّ الجميع عن ملاحقتي به.
اليوم، وأنا أقرأ رسائل المواساة التي تصلنا بعد وفاة أمي، اكتشفت أنني هربت كثيراً، حدَّ أنني لا أعرف شيئا مما يُقال عنها الآن، لقد ظننت أنها كانت على حلف مع الموت، لذلك اعتقدت أنها كسبت لنفسها حظوة، فلا يزورها أو يؤخر ذلك على الأقل.
هدأت أبواب منزلنا، ولم يعد تحضير القهوة للمعزين هو النشاط الأهم، خرجت من غرفتي بمهمة أن أعيد الوضع الطبيعي لعائلتي، أعددت الغداء، ودفعت الحديث للمدرسة والجامعة وعمل أبي، أسأل أسئلة قصيرة ويُرد عليّ بهمهمات:
-ما بكم؟
رفعت أختي رأسها ببطولةِ من قرر إنهاء مهزلة:
-أعتقد أن أمي ماتت قبل أربعة أيام فقط.
دموعها هزمت إقصائي للمصيبة، ودخلت في الصمت معهم، لكنه مُزِّق عندما نزل أبي بعد غروب الشمس لإغلاق أبواب البيت الرئيسية:
-ما الذي كان سيحل بنا، لو أن أمكم رأت ذلك؟!
وأتبع جملته بضحكة قصيرة.
استكملت أختي الضحك وقالت:
-كانت ستعتقد أنها ساعة تجمع الشياطين.
وقفز الصغير بنكتة توبيخه، حين يتأخر عشر دقائق في الخارج بعد الغروب.
-الله يرحمها.
خُتم الحديثُ، لكن وجوههم احتفظت بابتسامات تؤكد أنها قريبة منهم.
هذه هي المرة الأولى التي أبكي بُعدَ أمي فيها.
-ستنسين.
قالها أبي بصوتٍ لم أعذر حزنه الذي خانه في اختيار الكلمة.
-لا أريد أن أنساها.
-كانت تطمئنني عليكِ، بعنادك هذا.
ووجدتُ ابتسامتي.
مفعولٌ بي
منذ عشر سنوات، أرتدي هذا الزي العسكري كلَّ صباح، باستثناء صباحات الإجازات القليلة، التي أحصل على بعض منها خلسة.
كان والدي يقول؛ أن السلكَ العسكري يعلِّم روادَهُ النظام ويصنعه فيهم، لكنني لم أتعلم النظام بقدر ما تعلمت التمرد، أصبح التمرد هو الوسيلة التي أخبر بها العالم عن وجودي، يبدو هذا اعترافاً بائساً، لكنني اكتشفت أن اعترافاتي البائسة تذيب التراكمات التي كثفها الزمن عليّ.
دائما ما أحاول إذلال الضباط، خاصة الأصغر مني سنًا، أذلهم بحديث سيء عنهم، أو بتباطؤ في تنفيذ أوامرهم. تعزُّ عليّ نفسي جدًا، حين أُجبر على إلقاء التحية العسكرية لهم، فتصنيفنا لأفراد وضباط أعيه بشكل ما، على أنه حقراء وعظماء.
تؤرقني فكرتي هذه جدًا، وكأنه قد طُبع عليّ بعدم الأهمية، وأنا أمشي بهذا العار وسط العالمين.
أذكر مرة ذهبت لاحتفال بزفاف أحد زملاء الدراسة برفقة صديق طفولتي، الضابط أحمد،
في تلك الليلة لم يُتغاضَ عن أصولنا الوظيفية، ولا زلت ناقمًا عليه، وأعد الفوارق التي بيننا، ويأتي المال دائمًا في مقدمتها .
رغم كل هذا، أمتلك حريتي بفكرة التخلي عن هذه الوظيفة، إلا أن هذه الفكرة ما تلبث أن تتحول لقيدٍ شديد، يكبّلني براتب آخر الشهر، وبالتزاماتي المالية تجاه أسرتي؛ أنا عبدٌ للمال وهذا هو الشقاء. في الحقيقة كلنا عباد للمال، سواءً حصلنا على القليل منه أم على الكثير، نخرج بغرابة من سيادتنا عليه ونصبح خدمًا له، ولقد أوجدتُ هذا المعنى بغير قصد مني، في رأس صغيري، حين امتدح أحد جيراننا، فأجبتْ بأنه مسكين لا يحظى بالكثير من المال. شهدتُ تعجب عينيْ ولدي، حين أسقطتُ جميع امتيازات الرجل أمام المال، تلك الليلة شعرت بأنني اكتشفت مسخي، حاولت أن أنفي أشياء كثيرة من نفسي لعلني أعود أصلًا، نفيت ونفيت حتى عرفت أنني قد ضعتُ تمامًا وسط المفاهيم الزائفة، يبدو أنني كنت أختارها هويةً للإنسان، فحين أسقطتها، أسقطتْني معها وأصبحت عدمًا، أشعر بعدميتي تمامًا، رغم هذا أنام وأضحك وأشرب وأتبادل الغث والسمين من الأحاديث، أهاب التفاصيل الصغيرة التي تستمر رغم فناء مسببها الأكبر، تهيبني جدًا ولا أعلم لماذا لا تستجيب للحقيقة فيّ؛ هل لأنها من مصدر أكثر حقيقة؟ أم لأنني لا زلت أحتفظ بزيفي وهي تقطن فيه!
بعد ثلاثة أيام من تلك الحادثة لم يُسمح لي أن أبت في موضوع عدميتي. جاءني اتصال يستدعيني سريعًا: "نحن نخوض حربًا دولتنا تحارب عدوها"، وكأن هذا الاتصال أعاد تلويني، وأعتقد أنني وصلت إليهم بقفزة واحدة من على سريري إلى مقرهم. دائمًا ما أحببت الأمور الطارئة التي تجبرني على مزاولتها فورًا ولا تفتح لي مجالًا واسعًا لأفكر. أعلم يقينًا الآن، أن هذه العادة السيئة سلبتني هبة الله العظمى –الاختيار-.
في موقع الحرب كل شيء متأهب دبابات، أنواع مختلفة من الأسلحة والكثير جدًا من الزي العسكري، وأخبرني عدد من زملائي أنهم كتبوا وصاياهم ورأيت مجندًا صغيرًا يبكي.
-يا الله، الحرب أكثر حقيقة مما تخيلت.
كان دوري غير فعال في الحرب لعدة أشهر، بعدها حدثت حالة استنفار، أصبحنا نهاجم، رمينا قنابل، وجَّهنا مسدساتنا، وأصبحنا وسط معمعة فظيعة من النيران. بعد ساعات، هدأ كل شيء. ومن وسط الدخان، تراءت لي المنازل المهدمة والأجساد الملقاة عبثًا وسط الاسمنت.
الموت يُدفعُ من البشر إلى البشر بسرعةٍ تجعلُ هذه الحقيقةَ المجنونة واقعةً في اللاوعي!
-هؤلاء ليسوا عدوًا.
-ضريبة الحرب.
-المصيبة في أن الحرب غير عاقلة، وتستخدم العقلاء أعضاءً لتكون من خلالهم.
أربع قصص
محمد الهاجري
ابتسامة
ابتسمتُ وسقطت كافة أسناني. تدحرج بعضها إلى داخل صفيح من معدن بفتحات صغيرة يسد المجاري. جمعت ما استطعت من على الأرض، وحاولت إرجاعها إلى أماكنها مستعينًا بالصمغ الذي جعلها تتشبث بصعوبة داخل فمي. لم أرتبها جيدًا، فقد أصبح ضرس العقل في الأمام، ولكن لم يكن الأمر ذا أهمية.
ابتسمت مرةً أخرى سعيدًا بما حققته لكن سقطت مجددًا، وهذه المرة اختفت جميعها داخل فتحة المجاري. مباشرةً دون تردد رفعت المعدن ونزلت من السلم المتسخ. كانت الرائحة كريهة جدًا. عندما وصلت القاع، أصبح الظلام حالكًا، باستثناء النور الخافت المنبعث من الفتحة في الأعلى. بدأت ابحث بالقرب عن باقي أسناني. وجدت اثنان أو ثلاثة فقط، فاضطررت إلى التعمق للداخل أكثر، وأخذت أتلمس الأرض القذرة، لعلّي أجد شيئًا، لكنني في النهاية يئست وعدت أدراجي.
ذهبت للمنزل واستلقيت على السرير. حلمت أنني تحولت إلى ضرس عقل كبير له فم، وفي فمه تتشكل الأسنان مني أنا، أعني جسدي، وعندما ابتسمت من منظرها المضحك سقطت كافة أجسادي على الأرض، وأخذت تنتفضُ في مكانها كأنها مصابة بالصرع، ولكنني لم أحرك ساكنًا لألتقطها. كنت أشاهد أجسادي دون أدنى ردة فعل، عدا مشاعري التي كانت مضطربة من هذا المشهد الغريب.
استمر الأمر هكذا حتى ماتت أجسادي، ثم استيقظت مفزوعًا، وبدأت أتحسس أجزاء جسدي، متفحصًا ما إذا كان باقيًا أو أنني تحولت إلى ضرس عقل كبير حقًا، ومن ثم تحسست أسناني بطرف لساني ووجدتها في مكانها، وكدت أن أبتسم من السعادة ولكنني خفت.
منذ تلك الليلة، لم ابتسم إطلاقًا.
خطة باءت بالفشل
كان مُحمد عائدًا سيرًا على الأقدام إلى شقته بعد دوام ليلي ممل كما هو مُتوقَّع، حيث أنه يعمل محاسباً في إحدى المحلات الكبيرة والمعروفة في مجال الأغذية. عَبَر من خلال طريق ضيق مُعبّد بالحجارة ذو إضاءة بيضاء خافتة، والذي كان يعبر من خلاله في الآونة الأخيرة في كل مرة يكون فيها عائدًا من عمله إلى شقته، على الرغم من أنها تزيد عليه حوالي نصف ساعة من المسير للوصول إلى البناية التي يقطن فيها، والغريب أن مُحمداً كسولٌ جدًا، وهو ليس رياضياً، فالنصف ساعة هذه كانت سراً غامضاً -يرفض توضيحه- لبعض زملاء عمله.
قاطعه في منتصف هذا الطريق الضيق، رجلٌ يبدو عليه بأنه مشرَّد، نحيل وذو عينين حمراوين وأسنان مصفرَّة، ويلبس ثوبًا رثًا أصفر اللون.
رفع المشرد مسدسًا نحو محمد، وقال بصوت مرتفع:
-أنت! أيها الوغد، لقد كنت أراقبك في كلِّ مرَّةٍ تمرُّ بها من هنا، دون أن تعلم.
بدأ -بقوله هذا الكلام-، كما لو أنه ينتظر ردًا ما، ولكن محمداً لم ينبس بحرف واحد. بعد ثوان من الصمت، أردف المشرد قائلاً:
-أعطني محفظتك، هيا! ساعتك الذهبية أيضًا، وهاتفك النقال، وإلا قتلتك حالاً.
رد عليه محمد ببرودة أعصاب:
-كلا، لن أعطيك شيئًا.
رد المشرد بغضب:
-ماذا! هل تظنني أمزح؟ سأرميك بالرصاص، وأملأ جسدَكَ بالثقوب.
-تهديدك لا يرعبني، فجسدي مليء بالثقوب في الأصل: مفلس، مديون، وحيد، مضطرب، لا أحد يرغب بي ولا أرغب بأحد، وعمري تجاوز الثلاثين عاماً، ولا زلت لا أملك شيئًا يستحق، أتنقّل بين الوظائف ذات الراتب الزهيد من حين لآخر. عندما تقتلني، سوف تقوم بفعل معروف كبير للعالم، لأنني عالة عليه، وستقوم بفعل معروف كبير لي أنا أيضًا، لأنني عالة على ذاتي، ولم أستطع أن أتجرأ يومًا وأفعلها بنفسي.
-لا شأن لي بقصة حياتك، سبق أن قتلت شخصين، ولا مشكلة لديَّ في أن أضيف لهما شخصًا ثالثًا. لا تحاول أن تستفزني وتتحداني.
قال محمد بجدية:
-إذن لديك خبرة في القتل، هذا ما أنشده بالفعل، أنت بالضبط الشخص الذي كنت أتمنى أن أجده. أرجوك صوب هنا، "أشار إلى قلبه"، كي أموت مباشرة دون أن أصارع الألم. كلا، اقترب مني وأدخل فوهة المسدس بفمي، يبدو أنني بهذه الطريقة سأموت مباشرةً، كما يفعلونها في الأفلام.
كان الرجل المشرد متعجبًا جدًا من تصرف محمد، فقد اعتاد عندما يفعل مثل هذه الأمور، أنْ يستسلمَ الشخصُ في حينها، أنْ ينهارَ ويعطيه كل ما يملك!
أردف محمد قائلاً:
-أقتلني، ربما بعدها أدخلُ الجنة.
لكن الرجلُ المشرّد غادر المكان.
خاب ظنُّه، أصابه نوع من الإحباط، انتابه حزنٌ عظيم لم يكن بالحسبان. أكمل مسيره نحو شقته وهو مُطأطِئ الرأس.
-لقد تحملت مراقبته لي طوال شهر كامل، دونَ أن أجعله يشعر بأنني أعلم عنه. أخرجتُ هاتفي النقال مئةَ مرة، لأتأكد من أنه رآه. حشوت محفظتي بالأوراق وقبضت عليها بيدي، لكي يلاحظها ويحسب بأنها ممتلئة بالمال، حتى أنني ابتعت ساعةً ذهبية، كي ينتبه إليها في هذه الظلمة. لقد حاولت إغواءه ليسرقني، على أمل أنه سيقتلني عندما أرفض وأغيضه، والآن ضاعت الفرصة. جُهد مسير نصف ساعة أصبح هباءً منثورًا، اللعنة! كم أنا غبي! لماذا تحدثت معه عن قصة حياتي؟ وكأنني أنا من أريد منه المال؛ لدي هذه العادة الغبية؛ أتحدث عن مشاكلي عند أول فرصة سانحة. عادة حمقاء. آخ، لو رفضت ثم صمت! هذا كل ما كان يتطلبه الأمر! غبي، غبي. أفسدت الأمر، من أين أجدُ لي الآن مَنْ يقتلني؟!"
المُخلّص
دلف رجُلٌ غريبٌ يُغطّي وجهَه وجسده بحرصٍ شديد كاللصوص، إلى غرفة الأطفال الرضع في المشفى، وأخذ يحوم حولهم تحت إضاءة بيضاء خافتة. لم يكن هنالك سوى رضيعين وحسب. أخذ يمسح على رأسهما ويقبل باطن أياديهما الصغيرة وجبينهما وأرجلهما بينما يشتم رائحتهما، رائحة البداية التي تنشأ مع كل طفل. كان يتحسسهما بكل لطف وحنان كما لو أنه هو أبوهُم وأمُهم، وبعد دقائق شعر بالحزن الشديد إلى درجة أنه لم يستطع فيها الوقوف باعتدال، فجلس على الأرض ثم استلقى على ظهره وبكى.
استجمع قواه. اقترب من الطفل الأول، وفصل الأسلاك الموصولة بين جسده والأجهزة. وضع يده بلطف على أنف وفم الطفل حتى فارق الحياة. همس في إذنه:
-ستكون ممتناً لي وشاكرًا، العفو.
اقترب من الطفل الآخر وفعل ذات الشيء ثم همس في إذنه:
-لستُ آسفًا.
خرج بهدوء متخفيًا كما جاء. عاد إلى شقته، سعيدًا بما أنجز اليوم، فهذا العالم مُبدع بالقذارة والخبث ولا يمكن العيش فيه.
في الغد أعلنت جريدة القرية عن وفاة الطفلين، وركزت أكثر على المصيبة التي وقعوا فيها، ففي خلال أسبوعين فقط فقدوا عشرة أطفال، رُضع كانوا بصحة جيدة! اعتقدوا أن هنالك فيروسًا ما قد اجتاح الأطفال.
كان يقرأ الجريدة مبتسمًا، يغمره شعور المُخلص. لقد أنجز مهمته على أكمل وجه ممكن، لكن هذا ليس كافيًا، عليه أن يُخلّص أرواح أطفال آخرين، أكبر عدد ممكن، فالحياة عذاب وظلم.
نام وحلم أنه يرقص مع هؤلاء الأطفال الرضع، وقد كانوا يشكرونه ويبجلونه على ما فعل لهم، ويوصونه في أن يستمر ويزيد من حصيلته أكثر وأكثر، وإن فعله عظيم ويجب أن يُشاد به.
استيقظ فجرًا وذهب إلى أحد المستشفيات، وهذه المرة خلّص أرواح أربعة أطفال رضع، أحد الرضع كاد أن يغير رأيه، فقد أمسك الرضيعُ اصبعَ الرجل وكأنه يحاول أن يمنعه أو أن يقول له شيئاً، لكنه لم يدع مجالاً للشك وقال هامسًا بينما يكتم أنفاسه:
-ستتفهم أن هذا هو الأفضل لك وستكون ممتنًا.
استمر على وتيرته هذه حتى قبضوا عليه بعد شهر كامل. سأله الشرطي:
-ألست نادمًا؟
-ندمي الوحيد هو أني لا أستطيع الاستمرار بعد الآن، أتمنى بعد أن يُعلن عني؛ أن أكون الملهم لعدة أشخاص لأن يحذوا حذويّ.
-أمجنون أنت؟
-كلا، الحياة هي المجنونة.
-لقد قتلت أربعين رضيعًا، أتفهم! أربعين روحًا بريئة، أشد البراءة!
-ما فعلته، ليس بقتل، لقد خلّصتهم من المآسي والمعاناة المستقبلية، مثلما يساعد المرء أحدًا كان سيقع في مصيبة كبيرة. هؤلاء الرضع براءتهم مؤقتة، لبضع سنوات فقط. ثم أنهم واحد وأربعون رضيعاً، خلّصتهم من الوجود المقزز. لقد بدأت بطفلي أنا، عندما ماتت والدته وهي تنجبه، حياته ستكون كانت كئيبة، فليس لديَّ شيء لأعطيه، غير هذه الشقة الصغيرة التي لا أستطيع تسديد إيجارها، كان عليّ أختار ما بين أن أموت في سبيل إطعامه، أو أن أخلّصه وأعيش، لكي أخلّص الكثير غيره، وهذا ما حصل.
كان يتحدث بهدوء وبرودة أعصاب جعلت الشرطي يستشيط غضبًا، إلى درجة لم يتمالك نفسه، فاضطر للخروج من غرفة الاعترافات.
في محاكمته أخذ يتحدث بطلاقة كخطيب مشهور، محاولاً أن يُقنع الجميع أن ما فعله هو الأصح، البعض تعاطف معه، وهناك من قرر أن يتخذ ذات المنهج الذي اتبعه. في النهاية، قرروا أن يعدموه، وقد مات سعيدًا بحق، كما كتب في رسالته الأخيرة:
"سأكون الآن بين الأطفال، وسنرقص بسعادة، ولن نسامحكم".
الفانوس الذهبي
أول شيء أذكره، هو أني استيقظت في مكان مظلم. كانت غرفة صغيرة جدًا، لا أستطيع حتى أن أتمدد فيها بشكل كامل، ولابدَّ لي أن أنثني كي أستلقي. في البداية، كان الأمر مزعجًا ولكنني اعتدت على ذلك. كنت أنام وأستيقظ، دون أن أعلم ما هو الوقت تحديدًا، أهو ليل أم نهار، أو لماذا أنا هنا، أو حتى من أنا، فلا أتذكر أي شيء عن ماضيي، ولا حتى أعرف كيف يبدو وجهي، كل ما استطعت معرفته، هي زوايا هذه الغرفة، ورائحة القذارة التي تملأ المكان، منها قذارتي الخاصة.
كنت عاريًا تمامًا، أحيانًا يلفحني البرد حتى يتصلّب وجهي وشراييني، وأحيانًا أخرى يلفحُني الحر، وأشعر أني سأحترق في أيّة لحظة، ولم أكن أستطع أن أحمي نفسي من أي مناخ كان، وجسدي الهزيل كانت تملأه الكدمات والقروح في كل موضع تقريبًا، ومهما صرخت ما من مجيب.
كان هناك يد تمتدُّ من فتحة صغيرة أسفل الباب، لتضع طعامًا قذرًا في صحن حديدي، ولولا الجوع الذي يغزوني لما أكلته، ومن خلال النور الذي يغطي المكان في كل مرة تمتد هذه اليد؛ استطعت معرفة غرفتي أكثر، أعني تعرفت على أنها وسخة أكثر مما كنت أتوقع، فقد كانت حيطانها سوداء، ويغطيها البراز على شكل كلمات وأحرف وأرقام! ما شد نظري هو ذلك الفانوس الذهبي النظيف في سقف الغرفة؛ ما غرضه هنا؟ وما هي الفائدة منه إذ لم يشتعل؟
في بعض الأحيان، عندما يسيطر الحزن والخوف علي، كنت أصرخ كالمجانين وأنا أحوم في مكاني: "نعم سأعترف، أنا هو من تبحثون عنه، أنا من فعلها، لقد أمسكتموني، فلتبلغوا قاداتكم عن ذلك؛ " كنت أبحث عن أية طريقة لأخرج من هنا، أو ليقتلوني حتى، فلم أعد أهتم بحياتي إطلاقًا.
حاولت الانتحار أكثر من مرة، بضرب رأسي على الحائط بأقوى ما أملكه، ولكن دون جدوى. كل ما يحصل، بعض نزف للدماء، ألم شديد، أو أن يغشى عليّ، فتوقفت عن هذه الفكرة.
هكذا قضيت الأيام الأولى، أو ربما الأسابيع أو حتى الشهور، لا أعلم؛ بصمت مطبق، وضربات على الرأس، وروائح كريهة، وأياد مختلفة تمتد من تحت الباب، بعضها سوداء وبعضها سمراء وأخرى بيضاء، بعضها بجرح وبعضها بوشم وبعضها عريضة وبعضها الآخر هزيلة. كانت هذه الأيادي هي صلتي الوحيدة للعالم الخارجي ما خلف الباب.
أذكر أول مرة رأيت فيها هذه اليد، رميت نفسي تجاهها أتحسسها، وفي المرة الثانية تشبثت فيها ولكنها أخرجت نفسها من بين يدي بسهولة. ذات مرة فكرت أن أعضها لكنني تراجعت، ليس خشيةً من الجوع، ولكن خشيةَ ألا أراها مجددًا، أو أن أفقد هذه الصلة الحميمية التي صارت بيننا، فأصبحت أتأملها في كل مرة كما يتأمل المرء لوحة ما.
استيقظت ذات مرة فجأة، حين سُكب عليَّ ماءٌ حار، كنت مرعوبًا من الدخان الذي أصبح يخرج من جسدي كما لو أنني فوهة بركان، وأخذت أرجف في مكاني، عندها لمحت ذلك الرجل الواقف فوقي بشاربه العريض، لوهلة شعرت بالاطمئنان، فكرت: "لا زال هنالك بشر"، لكنني أؤكد لكم بأنه لم يكن بشريًا!
صرخ بوجهي:
- أنت فاشل ولا قيمة لك. غبي وأحمق. هل تظن أنك بطل أو خارق القوى؟ أمامك الكثير من المعاناة، لا زلت لم ترَ شيئًا، استسلم. هذه المرة تركناك لوحدك، ولكن من الآن وصاعدًا، لن ندعك تنام حتى لساعة، ومن ثم لن تنام حتى لدقيقة، إلى أن تستسلم.
أطفأ الفانوس، وخرج دون أن أفهم شيئاً، أو أن يترك لي فرصة لأتكلم، حتى لو ترك لي فرصة، لما تكلمت! ذهبت للزاوية حبواً، وبكيت. لا أعلم، لِمَ كنت أبكي!
أنا لا أذكر شيئًا؟! ما الذي خسرته أو الذي فقدته، كي أهتم به؟ لا أعرف سوى حياتي هنا فقط، بهذه الغرفة اللعينة!
أخذت أرتجف أكثر، حتى شعرت أن كل ما بداخلي سيسقط أسفل مؤخرتي؛ قلبي، رئتاي، كبدي وأمعائي، لا بل حتى عيني وفمي وأذني وأنفي ستسقط إلى الأسفل. فكرت: "ما الذي فعلته! ما الذي فعلته! تَذَكّر، تذَكّر! هل يستحق أن أضحي بحياتي من أجل هذه الفعلة، التي لا أعلم ما هي"؟!
في الأيام القادمة لم أستطع أن أنام حتى لدقيقة واحدة، ولم يكن يشتعل هذا الفانوس الذهبي النظيف، إلا عندما يدخل أحدهم ليعذبني أو ليجلدني بالسوط، لكنهم لم يكونوا يتحدثون معي حتى عندما أخبرهم أنني سأعترف: "سأقول أي شيء تريدونه".
تحديدًا لم يكن يدخل عليّ سوى شخصين، غير ذي الشارب العريض، أحدهما، -وهذا كل ما اتذكره عنه- يملك عينين جاحظتين ومرعوبتين، وما أن أراهما حتى أشعر بالشفقة نحوه، تخيلوا! أنا من أشعر بالشفقة نحوه! كان رجلاً قصيرًا جدًا وهزيلاً، ويداه ترجفان دائمًا، حتى عندما يحمل قطعة خشبية أو حديدة يضربني بها. عندما أراه، كنت بشكل لا إرادي أبتسم في وجهُه كي أجعله يسترخي! والآخر كان غريب الشكل، لم يكن بشريًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، وكذلك لم يكن حيوانًا، كنت أشمئز جدًا، في كل مرة يجيء فيها، ولم أرَ مظهره سوى في المرة الأولى التي جاء فيها، والمرات القادمة أظلّ مغمضًا عيناي حتى يغادر.
بعد أربعة أيام، تقريبًا، من عدم النوم؛ عاد ذلك الرجل ذو الشارب العريض وقال:
- ألن تغير من أفكارك هذه؟ إلى متى ستكون هكذا؟ هذا جهل لو تعلم، إنها أوهام أتفهم؟ أوهام تختلقها.
- أيّة أفكار؟! أيّ جهل تعني؟ أيّة أوهام؟ أخبرني! سأغيّر كل أفكاري، سأكون كل ما تريده.
- كلا، كلا، هذه الأمور لابد أن تحدث بقناعة من نفسك، ماذا تحسبني؟ أجبرك على شيء؟ كلا، مستحيل، مستحيل.
ثم أطفأ الفانوس وخرج.
كل شيء أصبح هادئاً بطريقة عجيبة، كنت أستطيع سماع دقات قلبي، وصوت تنفسي، وصوت معدة حشرة ما، كانت في زاوية الغرفة، نعم سمعت صوت معدتها، أقسم لكم أني سمعت عملية الهضم الخاصة بتلك الحشرة الصغيرة!
مرةً أخرى، ما أن أنام حتى يشتعل الفانوس الذهبي، ويفقأ عينيَّ بنوره القوي، ويدخل أحد الشخصين، يضربني بالعصى أو بيديه العاريتين أو يركلني في كل موضع من جسدي، لكنني مع الوقت أصبحت لا أحس بالألم ولا أتأوه، وهذا كان يفقدهم صوابهم ويجعلهم يضربونني بشدة.
لم أكن أريد استفزازهم بعدم أنيني، لكنني حقًا لم أعد أشعر بشيء! لدرجة أنني أصبحت أتصنع أصوات الألم كيلا أستفزهم وحسب، ليس خوفًا عليَّ منهم، ولكن خوفًا مني عليهم، في ألا أرضيهم، لا أشبعهُم، لا أُكفيهم.
عاد الرجل ذو الشارب العريض وأشعل الفانوس الذهبي بنوره القوي الذي أصبح يرعبني أكثر منهم جميعًا، ومن ثم أخرج صورةً من جيب محفظته وأراني إياها وهو يقول:
- أرأيت هذا الشخص؟ إنه أنت قبل سنة واحدة فقط، قبل أن تجيء إلى هنا، أرأيت كيف كنت سمينًا هاه؟ وذو وجه أبيض وخدود حمراء؟
نادى ليجلبوا المرآة، ووضعها في زاوية الغرفة وقال:
- إذ كنت تريد أن ترى وجهك الآن، فانطلق إلى المرآة.
فجأة شعرت أن هذه الغرفة أصبحت كبيرة جدًا، والمرآة كانت بعيدة عني بالكيلو مترات. أخذت أزحف إليها مثل حيوان، لكن في كل مرة أقترب يمسكني ذو الشارب من رجلي ويشدني للخلف مجددًا إلى مكاني، وهو يضحك ويقول:
- أوه متحمس لهذه الدرجة لترى وجهك؟ وجهك المتوحش الخالي من أي دلالة على أنك بشري؟ هيا فلتزحف يا صغيري.
ربما لعشرين مرة أعادني، وكرر عليَّ ذات الكلام لكنني لم أهتم، كنت فقط أريد أن أرى وجهي، ولا أعلم ما مصدر هذه القوة التي ترغمني على أن أعرفه، ما الهدف؟ وإذا رأيته؟ ما الفارق الذي سيشكله ذلك؟
رأيت الوجه، لكنه لم يكن وجهي، بل لم يكن وجهاً بشرياً حتى، ذو الشارب العريض كان محقًا. ما ضايقني هنا أكثر من الوجه، هو أنه كان محقًا، فهو الوحيد الذي كنت أكنُّ له البغضاء، بالرغم أنه لم يضربني ولا لمرة واحدة، وبالرغم من أنه هو الوحيد الذي كان يتحدث معي طيلة هذه السنة اللعينة، لم أسمع صوتًا غيرَ صوته.
في اليوم الأول بعد السنة، وبينما كنت مستلقيًا بانثناءٍ مثل ميت، أنظر للسقف المظلم؛ حصل أمر غير اعتيادي. ربما كلمة غير اعتيادي ليست بالوصف السليم، فكل ما حصل لي خلال هذه الفترة هو غير اعتيادي، ولكنني لم أجد كلمة أخرى تصف ما حدث.
الذي حدث هو أني ارتفعت، حلقت، أخذت أنظر لجسدي وكأنه ليس جسدي، وارتفعت أكثر إلى ما بعد الغرفة، ورأيت عدد الغرف الكبير التي بجانبي والتي لم يكن فيها أحد غيري أنا، جسدي وحسب. ارتفعت أكثر، ورأيت هذه العمارة الصخرية على شكل عقل إنساني، التي يسكن فيها جسدي، ثم ارتفعت أكثر ورأيت المكان بأكمله، غرفتي، وهو عبارة عن جسد إنساني مشابه لجسدي!
ارتفعت أكثر، ورأيت بجانبي مجموعة من الأجساد البشرية المختلفة، نساء ورجال بمختلف الأعمار والأحجام والأشكال والألوان، مستلقيين على ظهورهم وكأنهم أموات كجسدي. ارتفعت أكثر ورأيت الكرة الأرضية، وكانت قد امتلأت قاراتُها بذات الأجساد! الملايين من الأجساد!
ارتفعت أكثر وأكثر، حتى أصبح كل شيء صغيرًا جدًا، ثم اختفى في الظلمة التي كانت تحيطني. وفجأةً، تأذت عينيَّ، من نورٍ أشبه بنور الفانوس، اشتعل أمامي. سمعت صوتاً شبيهاً بصوت ذي الشارب العريض، ثم انتهى كل شيء، أو ربما فقدت الذاكرة مجددًا.
ثلاث قصص
مريم سيدي العبدالله
عزلة
أخبرتني سراً، بعد أن أمالتْ رأسَها إليَّ بمودةٍ ورحمة وقليلٍ من الشفقة.
قالتْ:
-أتعلمين أن الكتبَ ليست كتباً؟! إنها أرواحُ كائنات، تستحوذُ على كل من يتوغّلُ بها، حتى أنها تدعوهُ إلى خلواتٍ طويلة، قد تمتدُّ مدى الحياة. ورشقتني بعدة أسماء لمجانين.
"فلتحذري"!
منذ حوارنا، ما خلوتُ و لم يختلِ بي كتاب!
أسماء
ينتصبُ ظهري قائماً،
أتهندم،
أبْعدُ خصلاتي عن جبيني،
أرفع ياقتي عالياً،
أتهيأ كقبلة،
أفعل كل هذا، لأنَّ اسمكَ مرَّ بجواري،
يحمله شخص آخر!
أحبّة
عصافيرُ الصباح،
تلك التي تربَّتْ على نوافذنا،
تحاولُ التسللَ من فتحاتِ المنازل،
ماذا لو كانتْ أرواحَ أحبةٍ غادرونا؟!
يحاولونَ الاطمئنانَ علينا؟!
قالتْ ذلك، وأطلقتْ بصرَها، تراقب عصفوراً يسكنُ النافذةَ المقابلةَ لحجرتي!
منذ ذلكَ الحين،
وأنا أتعمّدُ فتحَ نافذتي صباحاً،
أشعلُ موسيقاي المحببة،
لأطمئنَهم؛
-أنا بخير!
أرواح السمك
يزيد القرني
على أضواء مصابيح الطريق الحجري، وهي تحدّ ظلالها بأضوائها المتشابكة، كمثلثات في تتالٍ ينتهي عند الانحناء بجانب التقاطع خلفهما، يسيران في مهل ووقْعُ أحذيتهما الرتيب أخفاهما عن الأنظار، بينما المارة يمشون في جماعات ويتحلقون كدوائر وهمية. استلقت الحديقة الجانبية المتموجة جانبهما، تحفّها الجصوص الحمراء الباهتة، وخلفها تمتد الساحات الخضراء لمسافة مترين، وتترامى في عشوائية زهيرات مختلفة الألوان هنا و هناك، و على شذاها المتقطع تسبح أغان ملائكية لأشباح العذراوات اللاتي يحرسن المكان. هضمَ كلَّ هذا في ذهنه وأذنيه، وعيناه الجائعتان تطوفان بروية على الأفق. خيّل إليه أنه يرى عجوزاً في البعيد، وقد ابتسم بأسنانه الصفراء الباهتة ووجهه الأسمر الذي كان مشعّاً بالحياة رغم تجاعيده، وأشار إليه بسبّابته بطريقة غامضة، جعلته قلقاً ومستفزّاً: "هل كان يقصد أن أتبعه، أم أن أتوقف لألاحظ شيئاً ما؟ ربما هي إشارة بوذية!" أخذتْ تساؤلاته تتدحرج مع بلعومه بطيئاً، ثم بلع لعابه ليهضمها جيّداً، و أشاح إلى المساحة الخضراء مرة ثانية، أصوات السيارات المنطلقة على يساره، وهي تدق طبلة أذنه ثم تختفي في الشارع، خلّفت أصداء متلاشية.
كان صديقه خالد ينظف فمه بيديه النحيلتين الطويلتين، وشرع يدفع بقايا الطعام بلسانه، راشحاً مللاً خفيفاً، تنم عن مغامرة فكرية مقلقة قد خاضها قبل التقائهما بساعات، رفع رأسه البيضاوي الملتحي وكشخص يستعدّ لأن يرمي حقيقة صارخة، أنزل رأسه و قال في برود يعاكس جسده المتوتر:
-الأرواح كلها هوائية،
وأردف بصرامة شديدة مشيراً بإصبعة المعقوف على صدره:
-روحي هوائية.
قال عبد الله:
-إذا كانت الأرواح كلها هوائية، فإننا سنتلاشى وسيتنفسنا الآخرون حين نموت.
-صحيح جدا، سنكون في كل مكان.
جذبَ عبدالله منظرُ القطط، وهي تتجول في مرح وطمع حول محل السمك الذي قارب على
محاذاته، الرائحة الزنخة للسائل المخاطي الممزوج برائحة البحر عبقت بأنفه واستقرت في ثيابه، قال لصديقه:
-أتظن أن للسمك روحاً مائية أم هوائية؟
التفت ببطء، يحدّق في القطة التي على يساره،
-أظن أن روحها هوائية، و لذا ترفرف عندما تخرج من الماء.
فرض خالد استنتاجه بعنادٍ أزعجه قليلاً، والتفت إليه ليراه وقد أصبح تمثالاً حجرياً، وتملّحت قدماه على تقاطيع الطوب المستطيل تحتهما. تأمّله عبد الله بعمق وشزر، وقد انشقت البقعة التي حوله عن العالم الذي عاش فيه، وأحاطته مع التمثال ظلمةٌ ملحفة بالنجوم اللامعة، ومنحته بكرم لهباً أزرقاً تشكّل في تقاطيع كفه الحنطية. أخذ حجابه بالارتخاء واستوعب نفساً جليدياً ملأ رئتيه بالصقيع الذي تسامى من بركانه الداخلي المستعر، شاعراً بولادة الكون من ذاكرته، وبحركةٍ قد قررها سابقاً، قديماً قبل أن يُولد، وهو في رحم أمه، قرّبَ كفَّهُ من فمه، ونفخ اللهبَ الأزرق على صديقه. كانا يتلاشيان معاً، وأخذت القوقعةُ التي تحيطهما تتمزق، مدخلةً العالم فيها.
آخرُ ما سمعاه وقتها، ساطورُ بائعِ السمك، وهو يقطّع يضجرٍ بالغ.
بقاء
ندى الأحمد
كنتُ أعاني رهابَ الموت، وبالأخص المقابر.
في صغري، كان بيتنا مجاوراً للمقبرة. وفي كلِّ ليلة، يتضرّعُ أهلي للموتى، إلا أنا! فقد كنت أهرب للنوم قبلهم.
ذاتَ ليلة، وأثناءَ نومي، سمعتُ أنيناً، ففزعتُ هارباً خارج البيت، لأجدني تحت عجلات "كامري" صغير. حملني أهلي لمراسيم الدفن، ومن حسن حظي أنهم وجدوا لوحةً معلَّقة على البوابة: "المقبرة مغلقة، لعدم وجود مساحات للدفن".
عادوا بي، وحنطوني.
أبقوني تمثالاً بالبيت الجديد.
مراوغة الدمع
وليد السبيعي
لا يستطيع التمييز بين كونه يهبط سريعاً أو كونه معلقاً في الهواء، يداه وقدماه تتدلى عكس الجاذبية، وظهره ينتظر بتوتر عناقاً حاراً مع الأرض! رغم حالته تلك، هو مرتاح بسبب الصوت الذي يتردد في عقله بشكلٍ هستيري دون توقف: "هذا مجرد حلم، صدقني مجرد حلم"، ولكن الحرارة تحرق ظهره، والشعور اللاسع في مؤخرة عنقة لا يطاق. انتفض فوق كرسي مكتبه المنزلي، ليدرك حينها بأنه كان يحلم، و ليكتشف بأن الشمسَ كوته بأشعتها. قررَ للمرة الالف أنه لابدَّ من وضع ستائر لهذه النافذة المستطيلة، ولكنه سريعاً وللمرة الألف أيضا يتراجع عن قراره!
متأخراً كعادته، سبقته زوجته وطفلته، كلتاهما تخوضان معتركيهما اليومي، الأولى في عملها الذي يأخذ منها أكثر مما يعطي، والثانية! حسنا الثانية في مدرستها، تتعلم بسرعة الحسابَ واللغة والدين، ولكنها أصبحتْ مؤخراً في حيرة من أمرها. في الأسبوع المنصرم، تعلمت درساً في الأخلاق، فهمته جيداً واستوعبته، ظنت بأن الجميع فهموه أيضاً، فالأستاذة شرحته والطالبات هززن روؤسهن، دلالةً على استيعابه! خلال الأسبوع، راقبت الجميع، فلم تجد أيَّ تطبيق عملي للدرس الذي تعلمته. بدأت تساورها الشكوك بأن القليل من حولها حقيقي، القليل جداً!
الصوت المزعج الذي بدأ يصدر من فترة ليست بالقصيرة في منظومة الدفع لسيارته أصبح أقل إزعاجاً، هو الآن صوت طبيعي، المصاريف اصبحت مرهقة جداً له، تكلفة إصلاح العطل سوف تنسف ميزانية الشهر! قال محدثاً نفسه، وهو يقود سيارته الى المقهى الذي يعرج عليه كل صباح قبل أن يكمل طريقه الى العمل: "البقاء على قيد الحياة شئ مكلف!". بعد أن دفع قيمة "القديسة"، هكذا يسمّي قهوته، أكمل طريقه لعمله الذي تعود أن يصل له متأخراً. الطريق طويل، وهو يكابد فيه صراعاً ازلياً! منذ أن قرأ رواية "الشيخ و البحر"، اصبحت تصيبه نوباتُ هلع، من أن يكون مصيره مصير الشيخ! يعيش الرواية دائماً في طريقه للعمل، يستذكرها ويسترجعها. أحياناً يشعر بالفخر حيال الشيخ وإصراره، وأحياناً يشعر بالاسى عليه. لوهلة قد تتسلل دمعة من عينه، بسبب العناء الذي واجهه العجوز ولعودته خالي الوفاض. إنما مايرهقه حقاً هو الحوار بينه وبين نفسه في الطريق الى العمل!
-بقي في البحر ثلاثة أيام، ولكنه في النهاية اصطاد السمكة!
-نعم اصطادها، وأسماك القرش اكلتها!
-أكلتها أسماك القرش، لأن رحلة العودة كانت طويلة، والريح لم تساعده.
-بالضبط، هذا ماكنت اقصده!
يغير استراتيجيته هنا..
-إنها مجرد رواية، الشيخ والسمكة وأسماك القرش، كلها من وحي الخيال.
-لا لا لا، جميعهم حقيقيون.
-ليسوا كذلك. أنت موهوم، مجرد بائس موهوم!.
-بلى، ارنست همنجواي، كتبها عن الصياد الذي كان يعتني بقاربه في هافانا. همنجواي لديه منزل هناك، و كان يقضي معظم وقته فيها. الشيخ سانتياغو حقيقي، كل شئ حقيقي، أنت خائف من أن تصدق ذلك، لأنك تعرف جيداً أنك تشبه سانتياغو! سيطول بك الوقت، وأخيراً سوف تخرج بهيكل السمكه فقط، لا شئ غير هيكل السمكة!
يصل الى عمله و هو لا يعرف كيف وصل، لا يذكر شيئاً من الطريق، ولا يذكر متى انهى شرب القديسة، لا شئ في عقله سوى شكل تخيلي لهيكل السمكة.
ذُبول
أمل البستوي
وقفتْ أمامَ المرآة، أبعدتْ خصلات شعرها عن وجهها، وتأملت ملامحَ الأنوثة في كيانها.
قوامٌ رشيق وشعر حريري ينساب على كتفيها بغنج ودلال، همست لنفسها: ما أجملني! وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ خجولة. دارتْ حول نفسها، بمرح وعادت تتأمل صورتها في المرآة.
عينانِ تنطلقان منهما شراراتُ الغضب، ووجهٌ عابس وشعر تقلّص طوله، ليحاكي هيئة الرجل!
أنفاسها كدخانٍ ينبعث من فوهة بركانٍ يوشك ُأن ينفجر ليصبغَ ما حوله بالسواد.
ارتدتْ بدلةً رجالية وقتلتْ كلَّ معالم الأنوثة في داخلها وخارجها، ثم تناولت مسدساً من خزانة الملابس وخبأته في جيب بنطالها، وألقت نظرةً أخيرة على المرآة وابتسمت بخبث!
خرجتْ تمشي في الأزقة الضيقة المظلمة، لا ضوءَ إلا ضوء البدر الذي تحجبه الغيوم. لم تأبه، هي تعرف طريقَها جيداً.
وقفتْ لوهلة تسترجع الماضي: هنا بين أحضان الظلام تمَّتْ جريمةٌ بشعة!
انتبهت إلى أعينٍ ذهبية تتلصص عليها، فأغاضها ذلك، وأخرجت مسدسها وأطلقت طلقةً في الهواء. كان صوتها كفيلاً بأن يخيف كلَّ شيء، ويحلُّ سكونٌ مخيف على المكان.
تمتمت بغضب: حتى القطط يقتلها الفضول، تباً!!
أكملتْ سيرها حتى وصلت إلى البيت المراد، فانقشعت سحابةٌ وأطلَّ بعضٌ من ضوء القمر، ليلفتَ نظرَها وردةٌ ذابلة عند عتبة الباب، حملتها بيدٍ ترتجف ونظراتٍ مفجوعة وقهر يقطع أحشاءها في الداخل. جالتْ ببصرها في أنحاء المكان، لتُصْدَمَ بعددٍ مهول من الورود الذابلة، بَلَغَ منها الغضبُ مبلغه، فدفعت البابَ برجلها وقد كان مفتوحاً، الأمر الذي أثار استغرابها، لكنَّها دخلت وهي تحدث نفسها:
-سأنتقم لنفسي، سأقتلع منكَ حياتك.
وجهي القديم
فهد العنزي
رأيتُ الرجالَ جميعهم يرقصون حول الجثّة، نعم شاهدتهم جمعياً. وكيف أنسى حينما رميتُ نظراتي إلى نظراتهم وسألتها:
-لمَ لا ترتدين الفزعَ أيتها العيون، حينما ترين خسارات الناس؟!
أنا خائفٌ أيتها الوجوه البعيدة عن محطّات الدفء، ولست راغباً بسماع جلبةِ النساء الباكيات على الجثّة الملقاة كعزاءٍ لعالم السحق هذا. أتمسّكُ بثوب أبي رامياً وجهي ناحية الآخرين، يقول صوت كبير داخلي
-لا تنظر للأعلى، هل تعرفُ أنكَ سوف تقتل نفسَك، حينما ترى عينيْ أبيك مثل عيونهم، وهي لا ترتدي الرحمة ؟!
يطوف الرجال على الجثّة، رماحٌ وحراب قديمة بأيدي بعضهم، وبأيدي الآخرين آثاراً لرماحٍ وحِراب. يستبدُّ بي قلق؛ إنْ رأسي إبّانَ إرتفاعَهُ سيكتشفُ أن عينيْ أبي شقيقةٌ لعيونهم، وحينها سوف تكون نظرتي هي رمحي الأكبرُ الذي سيقتلني. أنا خائف. أطوفُ معهم، ومحيطُ المكان كلما تحرّك الرجالُ من حولي، وصار كلُّ المدى الفسيح أمامي، يبدأُ يحاصرني الفزع أكثر؛ ياللطرافة! الإتساع ربما يجعلنا نضيقُ من أنفسنا، فكم هو أشد خطراً من الضيق أحياناً! أخطو، وأرسل لخطواتي كُرات البغض، أرجمها بمشاعري. تباً، إنها تكشفُ سُخفَ آلامي القديمة التي بكيت بها وبددت عن نفسي من أجلها فكرة الرقص، خسرتُ الزمن القديم على أوهامٍ مصنطعة.
أقبض أطرافَ ثوب أبي بشدّة، لقد بدأتْ الحياةُ بمشقَّتها في لحظتي الآنية، ومن حولي لا شكَ أن دبكَ أقدام الرجال هو البديلُ عن صوت مخاض أمي الذي لا أتذكر سماعي له حين ولدتني. أقبض بشدّة على ثوبكَ يا أبي لأنني أرتعد، غابت الرؤية عنّي، لم أرَ الحجر الذي تعثّرت به، تمدد رأسي إلى الأعلى ونظرتُ للجثّة بالخطأ، فكانت "وجهي القديم".
اغتيال
سارة البجاد
ما بينَ النور والظلام مساحة، تبدو الأشياءُ رائعة، شبهُ واضحة، معكّرة ببعض الغموض، تخفي ما تودُ إخفائه، وتظهر أهمَّ الملامح.
العالم الرمادي أو الشبه مظلم، عاشتْ فيه ياسمين، كنبتةٍ أزهرتْ بين فراغات الصخور، وتحت أقدام الطغاة، تتراقصُ قدماها على صوت الشلال المتدفق، المتناغم مع حفيف الأشجار، ليكون نغمةً ساحرة.
يتهيأ لمن يراها بأنها راقصةُ بالية محترفة، تطلق نسماتها الرقيقة لتتعانق مع نسمات الصبح المنعشة، تخطو بخطواتٍ ثابتة على صخور صلبة، كصلابة الأيام التي عاشتها، تتسلل بهدوء نحو الفُل الأبيض كوجنتيها، لم يكن الغرض من هذا التسحب قطفَ الزهرة، بل أشنع.
بعد خطواتٍ يسيرة نالتْ مرادَها، وأمسكتْ بالفراشة الساكنة بسلامٍ على بتلات الفُل. ضمَّت الفراشةَ المكتسحة بلون الشمس الممزوج بخضرة النبات وزرقة السماء، تنتشر فيها بقعٌ بيضاء كلون السحاب، حوافُ جناحيها محدودة بحلكة الليل، ضمتها بين يديها وأحكمت قبضتها.
-لا بأس يا فراشتي! أنتِ الآن بحوزتي، أصنعُ بكِ ما أشاء.
نزلت المنحدرَ برويّة، تتحسسُ جناحيْ الفراشة وهما يرفرفان بضعف داخل يدها، وضعت قدميها على الأرض، وانطلقتْ تركض، فستانها الوردي يسابق الهواء، أشعة الشمس تتغلغلُ شعرَها، عاكساً اللونَ البني، كلون عدستها المركّزة على الأشياء أمامها، مازالت قابضةً على الفراشة وتضم كفتيها لصدرها، قذفت البابَ بجسدها حتى لا يسبب إزعاجاً ، لكنَّه خانها وأحدث صوتاً عالياً، أغمضتْ عينيها وتمتمت داخلها:
-يا رب، عسى ألا تسمع أمي الصوت.
أدخلتْ رأسَها من فتحة الباب وتناثر شعرها، دارت ببصرها، لا أحدَ في الداخل، دلفت بجسدها، تمشي على مهل. تسلل لأذنيها صوتُ أمّها، دون أن تبصر وجهها:
-ياسمين، أين كنتِ ؟
توقفتْ، قرّبت يدَها لصدرها أكثر.
-كنت في الجوار .
ثم انطلقت لغرفتها.
-أخيراً وصلنا يا عزيزتي، أين تريدين أن أسكنك؟! في أية زجاجة؟! هاهي، كبيرة ومتسعة، ستمرحين فيها كثيراً.
أطلقتْ سراحَ الفراشة، من سجن يدِها إلى سجن الزجاجة، وأحكمت السدادة، تأملتها وهي تدور في الزجاجة، ترتطم بأركانها، تبحث عن وسيلة للخروج .
-ابقي هنا يا فراشتي، الجو في الخارج غير آمن.
أمسكت الزجاجة، ترفعها وتخفضها ، وتتمايل وهي بحوزتها.
-ياسمين .
أفزعها صوتُ أمها، وأختلَّ توازنها، سقطت الزجاجةُ، تحطمت، أسرعت ياسمينُ لتمسكَ الفراشة، متناسيةً حطام الزجاج.
قصتان
مرتضى البحراني
بيت العصافير
الأَصلُ فينا مَعشر الطيور أن نعيشَ أحراراً في مملكتنا الخاصة، إلا أننا قد ترعرعنا في مملكة الإنسان، نموتُ ونحيا. لم نَعلم مُطلقاً ما هو العالم الخارجي، فقد وُلِدْنا بِمنزل الإنسان. ما نعلمه هو تلك الأشعة الجميلة القادمة مِن ثُقب كبير في منزله. ومع ذلك، كان لا يحبُّ أن يرى تلك الأشعة، إذ يغطي الثقبَ بِغِطاء، فَنُحرم مِن الاستمتاع بشيءٍ من ضوء الخارج. و كان للإنسان المَقْدِرة على فصل عالمه عن العالم الخارجي، فهو قد صنع شموساً بِداخِل مسكنه، فمتى أراد أن ينير، أنار ومتى ما أراد الظلمة أطفأها. على عكس تلك التي في الخارج.
لاحَظنا إنه يحاول دائماً أن يُصغّر الأشياء -فهو كائن مٌبدع و مُخترع ومُلهم-، اِستلهم الشمس فجعلها شموساً صغيرةً في منزله، كما صَغّر منزله أيضاً، فأصبح لكل منا منزلٌ خاص به، نستطيع أن نراه ويستطيع أن يرانا؛ لماذا يسجننا، لماذا يُطعِمنا ويسقينا؟!
في أحد الأيام، أعتم علينا المنزل، واستمر الظلام أياماً كثيرة. فاجتمعت علينا عُتمَتان: عُتمة الظلام وعتمة اختفاء صاحِبِنا. نحن لا نستطيع العَيش بما تبقى لدينا من طعام وشراب. ليالٍ ونحن نواصل التغريد، لعلَّه يأتي أو يستيقظ من نومه، ولكن دون أية فائدة. فجأة، دخل علينا أحدهم من الثقب الكبير بهدوء، وأغلقه بِهدوء. اِتبعها بضحكةٍ ذاتَ نية خبيثة؛ تعلّمنا أن للإنسان أكثر من ضحكة. أخذ يتلفَّت بِحذر، ومن ثم، بدأ عملية سطو للمنزل. في تلك اللحظة، بدأت تغريدنا يأخذ منحنى الغضب.
فجأة أيضاً، صوت طرق هادئ، هزَّ وجدان الدَخيل، فبدأ يضطرب. الطرقات تتواصل، والخوف يزداد. ما إن تكلّم الطارق، حتى ارتاح الدخيل. الطارق مُجرد طفل. لفَّ الرجلُ رأسه بغطاء، فتح الباب، رمى الصغير داخل المنزل، ثم لاذَ بالفرار.
أفاق الصغير على إثر تغريدنا، بدا عليه الحزن، ولكن سرعان ما ابتسم عندما رآنا. أضاء الشموس، وطالعنا عن قرب، لاحظ جوعنا، فوضع لنا ما يكفي من الحبوب. جال بالمكان، وعندما عاد، فُوجِئنا بالمياه تخرج من عينيه.
نافذة محطمة
اشتدَّ برد الشتاء، والفَقْر أصبح مميتاً. إن كانتْ نافذتك محطمة، فما الذي قد يُنقذ النفوس من القارس؟!
تلك النافذة، ضَعفت وتحطمت، سامحةً لبرودة الشتاء بالدخول. لم يكن للصبي شيءٌ ليغطّي النافذة غير لِباسه الخفيف؛ هل ينام به ويستحمل لفح الهواء، أم يغطي النافذة ليتسلل البرد إلى داخل غرفته، بدلاً من أن يدخلها عنوة.
تَحمّلَ ونام، ثمَّ مات.
اِهترأ البيت، وكشفَ الجدارُ عن عيون قد غفلت عنه. اِلتقطت الآلة هذه اللحظات، و نُشرت للناس أجمعين.
قالوا:
-لقد جسَّدتْ هذه الصورة معنى الفقر، في أصدق صوره.
-تلك الصورة تستحق جائزةً عالمية.
-بأيّة كاميرا قد التقطتْ؟
-إنَّها تستحق صورة العام.
اليوم السادس
أحمد العبدالقادر
إستيقظَ قبل أن تصله الشمس، فانتظرها حتى أطلّت. لم ينتظرها حتى تصل إليه، بل سبقها واعتلى التلة.
وصل إلى عاليها، وكانت الشمسُ قد لحقت به، فأطلّا سويّاً.
دُهش مما رأى، وضلَّ واقفاً يتأمل. قرية بين الجبال، كحبّات زيتونٍ قليلة في جرّة كبيرة، أو كأن الجبالَ مخلوقاتٌ كبيرة، تحيط بمجموعةٍ من الخراف!
مبانٍ صغيرة متناثرة دون أن تنفكَّ عن بعضها.
لم يتردد في قصد القرية، بخطواتٍ متأنية ونظرات تراقب التفاصيل.
ثم وصل!
تجوّل في القرية، بداخله شعورٌ من الطمأنينة. لقد وجد الجزءَ المفقود الذي يبحث عنه. شارعٌ طويل، أناسٌ تبيع وتشتري. رجلٌ يقبض على مجموعة من الدجاج، وسيدة تحيك، مفترشةً الأرض، خلفها قطعٌ قماشية زاهية الألوان قد علّقت بعشوائية. مجموعةٌ من الرجال يجلسون على طاولة وبيدهم أقداح معدنية، ومجموعة تقف محيطة بمجموعة أخرى جالسة، أحدهم يمرر السكين بطريقة سريعة بين أصابعه. أطفال ونساء وحيوانات، وروائح زكية وروائح نتنة. ثم إنتهى السوق.
كان الأمر ليس أكثر من كونه سوقاً في قرية، وليسَ أقلَّ من ذلك.
رغم شعوره بالسعادة من هذا الوجود والروح البشرية، إلا أنه لم ينجذب لأي شيء. خرج من السوق وأكمل طريقه. لم يخرج من القرية، ولكن أرادَ الإستمرار في المضيّ.
جذبته بشدة، نخلةٌ وحيدةٌ شاهقة باسقة. ألوانها تعبّر عن الحقيقة، فكل لون هو لون حقيقي، ولا لونَ باهتاً!
لحاءٌ أصفّر يتدرَّج حتى البنيّ. سعفٌ أخضر لامع، وشماريخُ التمر صفراءُ فاقعٌ لونها، تأسرُ الناظرين!
إتجه نحوها، دون تردد، وكأنَّه قد سُحر. إقتربَ كثيراً منها، فرفعَ رأسَهُ ليرى التمرَ والسعفَ عن كثب، وكان غرابٌ قد حطَّ على سعفةٍ قد نمتْ قائمة، تصّعّد في السماء.
قبل أن يكون بينه وبين النخلة خطوتين، سمعَ جلبة وصراخاً قادمين من السوق. التفتَ ناحيةَ الصوت، فلم يصل بصره إلى المصدر. فكّر سريعاً. لم يرَ ما يبرر هذا الصراخ. كان الجميع مبتسماً في السوق. فكّر في العودة. ولكنه حسم أمره، بأن يجلسَ تحت النخلة، متوسداً جذعَها، قبل أن يخطو خطوتَهُ الأولى، وإذ بالغراب يصدرُ نعيقه. رفع الرجلُ رأسه، وإذ بشمروخ كامل يسقط عليه، ويفقده الوعي!
طار الغراب!
هل فقَدَ الوعيَ حقاً، أم أنه فقط غاب عن الوعي وغرقَ في نوم عميق!
رأي في منامه، أنه قد أفاق، فوجد إمرأة بجواره، تقف بينه وبين النخلة. لم يتحادثا، فقط كانا يسيران نحو السوق. إمرأة لا شرقية ولا غربية، حنطية اللون برّاقة. عيناها واسعتان كقمرين قد تلألئا في ليلة خريف.
إبتسمتْ نحوه وكأنها تعرفه، وابتسمَ كأنه يعشقها. اتجها إلى السوق بجانب بعضهما، خطواتهما قصيرة، متأنية ومتماثلة.
رأى كل شيء كما كان في الحقيقة. الرجل والدجاج، المرأة والأقمشة، الرجال المتحلقين والرجال الثملين. كان يمشي بجانب المرأة بكلّ سكينةٍ، ودونما إضطراب وإستغراب. رفع رأسه نحو الأفق، وكان غرابٌ عظيمٌ عملاقٌ يقف أمامَهُ في سكون. شاهق الطول، تماماً كالنخلة.
مرحباً، لا أعرف من قد يحتاج هذا، لكنني متأكدة من أن أحدهم قد يجد المساعدة مثلي من خلال مساعدة الدكتور أجايي. لديّ حبيب كنت أواعده منذ خمس سنوات. استيقظ ذات صباح وأخبرني أن العلاقة قد انتهت. كنت أبكي لشهور. كنت في حيرة شديدة وحزن شديد. أرسلت أختي وصديقتي المقربة جانا للتوسل نيابة عني، لكنه أصر على أن العلاقة قد انتهت وأنه سئم مني. حتى يوم رائع عندما سمعت عن الدكتور أجايي، قرأت بعض الشهادات على موقعه، لذلك قررت أن أجرب. اتصلت به وأخبرني بالأشياء التي يجب القيام بها ليلقي تعويذة. في البداية كنت أفكر فيما إذا كان يجب عليّ القيام بذلك، لكنني قررت أن أجرب. فعلتُ ما طلبه مني الدكتور أجايي، مُشعوذ السحر، ثم فجأةً، بعد سبعة أيام، جاء صديقي الذي تركني دون سبب إلى منزلي ذات مساء، وكان يتوسل إليّ لعودتي، حتى أنه جاء مع أخيه وتوسل لي بالمغفرة. بعد كل هذا الألم الذي مررتُ به، عاد صديقي. أنا سعيدة جدًا، كل الشكر للدكتور أجايي. يمكنكِ التواصل معه لأي نوع من أنواع التعاويذ. أعتقد أنه سيُساعدكِ في تجاوز مشاكلكِ العاطفية. البريد الإلكتروني: drajayi1990@gmail.com
ردحذففايبر/واتساب: 2347084887094