الجمعة، 6 سبتمبر 2024

  كألْفِ سَنَة


كلَّما تدقُّ الساعة العاشرة صباحاً،

أنظرُ للسماء،

حيثُ وقتُ روحها.

**

كلّ ظهيرة جمعة،

تظللني نفسُ الغيمة فوقَ قبرها.

**

ظِلّي لم يَعدْ يتسعُ لي،

لأنها تشاركني فيه.

**

كلُّ وعكةٍ تصيبني،

هي توأمُ وعكتها.

**

المدينةُ تزدهرُ بالمباني الجديدة،

بيتها القديم هو وحدهُ الزهرة.

**

بدونها،

وفي كل طريقٍ للمستشفى،

تكون بجانبي،

أضعُّ كفي على صدرها، 

كي يهدأَ ألم صدري.

**

بكل ما أوتيتُ من لغة،

لا أستطيعُ أن أُعْربَ ما تحتهُ فَقْد.

**

صوتُ الستائر وأنا أسحبها كل صباح، يذكّرُني،

-سوف لن تذهبَ اليوم لأحد.

**

لن تنمحي علامةُ جلوسها على طرف سريرها،

تماماً، مثل الكيَّة في جبهتي.

**

حين يقولون:

-يا ويلك من أمك!

أركض بكل طفولتي لها؛

حيثُ ويلُها جَنّة.

**

في الصباح،

يكون الخبزُ في المنشفة البالية،

والكتبُ في الحقائب الرخيصة،

والحليبُ في الإبريق المتفحّم،

والأملُ بنا في صوتها المشّع كالشمس التي أشرقتْ للتو.

والتي ظلّتْ مُشرقةً، بعد مغيبها.

**

أمك ثم أمك ثم أمك!

كم أمّاً في هذا الحديث؟!

لا تقل ثلاث أمهات،

فكل أمٍّ تلدُ أماً، منذ هجرة محمد وحتى هجرتها. 

**

هذا الطفل الذي برفقتي دوماً،

توأمي،

 أوصتْهُ ألا يكبر،

وألا يغادرني،

وأن يحرسَها بطفولته،

ويحرسني.

**

في المساءِ الأخير لها،

كنت في غرفتها، أقرأ رواية "ظل الريح" للأسباني كارلوس زافون. 

ظلامُ الرواية، أدخلني في ظلامٍ أشد. 

منذ أيام، دخلتْ هي في الظلام،

في العاشرة صباحاً، أشعل الله لها النور،

وظللت أنا في الظلام.

**

أقصرُ طريقٍ إليها، 

أُصلّي على سجادةِ غرفتها،

ثُمَّ أشمُّ ترابَ قبرها.

**

سَنةُ غيابِها عنّي كألفِ سنةٍ،

مما تعدّون وتعتادون.


فجر 30 يناير 2024



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أُقبِّلُ شَجرتَكِ مَضتِ السنّةُ الخامسة،  وهاهي شَجرتُكِ تكبر، بَذرْتُها في العاشرةِ وخمس دقائقَ من صباحِ الخميس، الثلاثين من شهر كانون الثا...